مشروع قانون الرعاية الصحية «جراهام- كاسيدي»، الذي قد يصوّت عليه مجلس الشيوخ الأميركي الأسبوع المقبل، قاسٍ جداً، وصيغ على نحو سيئ يشي بأن رعاة مشروع القانون ليست لديهم أي فكرة حول ما كانوا يفعلونه عندما قاموا بصياغته. وإضافة إلى ذلك، فإن جهودهم من أجل تسويقه تتضمن أكاذيب واضحة وسافرة. ومع ذلك، فقد ينجح في المرور من مجلس الشيوخ. وهذا الأمر يشي بأمور كثيرة حول الحزب الجمهوري اليوم، أمور لا شيء منها جيد. و«قانون الرعاية الصحية المتاحة»، الذي قلّص نسبة الأميركيين ممن ليس لديهم تأمين صحي إلى مستوى قياسي، خلقَ أداةً تقوم على ثلاثة أمور: قوانين تمنع المؤمِّنين من التمييز ضد الأفراد الذين لديهم أمراض سابقة، وشرطُ توفُّرِ الأفراد على تأمين كافٍ، ودعمٌ لجعل ذاك التأمين في المتناول. أما بالنسبة للأسر التي لديها أدنى دخل، فإن التأمين يوفّره «ميديكير» بشكل مباشر. لكن مشروع قانون «جراهام- كاسيدي» يستغني عن كل هذه الأمور الثلاثة. وعلى غرار خطط جمهورية أخرى، فهو يلغي «التفويض الفردي»، ويستبدل المساعدات المباشرة بمنحٍ جزافية للولايات، وفق صيغة تقلِّصُ التمويلَ المتعلق بالقانون الحالي بشكل كبير، وتعاقب بشكل خاص الولايات التي أبلت بلاءً حسناً في تقليص عدد غير المؤمَّنين فيها. وعلاوة على ذلك، فإن مشروع القانون يزيل أيضاً بشكل فعلي الحماية عن الأميركيين الذين لديهم أمراض سابقة. ولكن، هل كان رعاة «جراهام- كاسيدي» يعرفون ما كانوا يفعلونه عندما كانوا يصوغون مشروع القانون هذا؟ أغلب الظن أنهم لم يكونوا يعرفون، وإلا لما كانوا سيأتون بشيء يحذّر كلُّ، أقول كلُّ، من يعرف شيئاً حول الرعاية الصحية من أنه سيتسبب في فوضى عارمة. على أن الأمر لا يقتصر على التقدميين فحسب، ذلك أن «الجمعية الطبية الأميركية»، وقطاع التأمين، و«رابطة الصليب الأزرق الذراع الأزرق» (اتحاد لشركات التأمين يضم 36 شركة ومنظمة) يحذرون جميعاً من أن استقرار الأسواق سيتزعزع، وأن الملايين سيفقدون التغطية الصحية. ولكن، كم عدد الأشخاص الذين سيفقدون تأمينهم؟ الواقع أن الجمهوريين يحاولون تمرير مشروع القانون بسرعة قبل أن يكون لدى «مكتب الإحصاء» في الكونجرس وقت لتحليله -محاولة تُعد في حد ذاتها انتهاكاً لكل القواعد والمعايير، وترقى إلى اعترافٍ بأن مشروع القانون لا يحتمل التمحيص والتدقيق. بيد أن مكتب الإحصاء سبق له أن حلَّل مشاريع قوانين أخرى تتضمن بعضاً من أحكام وقوانين مشروع قانون «جراهام- كاسيدي»، وهذه التحليلات السابقة تشير إلى أنه سيضيف أكثر من 30 مليون شخص إلى صفوف غير المؤمَّنين. والأدهى أن لينزي جراهام وبيل كاسيدي ورعاة آخرين لمشروع القانون يردون على هذه الانتقادات بالطريقة القديمة -بالأكاذيب. ولكن، كيف يمكن لمشروع القانون هذا أن يمر مع ذلك من مجلس الشيوخ؟ أحد الأجوبة على هذا السؤال هو أن الجمهوريين يتوقون جداً لوأد تركة الرئيس السابق أوباما بأي طريقة ممكنة، بغض النظر عن عدد الأميركيين الذين سيتضررون في هذه الأثناء. أما الجواب الآخر، فهو أن معظم أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين لا يعرفون ولا يكترثون أصلاً لجوهر السياسات. وهذا صحيح بشأن الرعاية الصحية بشكل خاص، حيث لم يسعوا أبداً إلى فهم إلى جعل قانون «أوباماكير» يبدو بالشكل الذي هو عليه، أو كيف يصوغون بديلاً عنه غير مؤذٍ. وفي هذا الصدد، طلبت قناة «فوكس» من عدد من الجمهوريين في مجلس الشيوخ أن يشرحوا ما يفعله مشروع قانون «جراهام- كاسيدي»، فكان أن تراوحت أجوبتهم بين عدم الانسجام إلى التشدد إلى عدم الانسجام المتشدد. وسأضيف على ذلك وأقول إن الأكاذيب ومحاولات التملص من الأسئلة التي نراها بخصوص مشروع القانون هذا هي ممارسة معتادة ومألوفة بالنسبة للحزب الجمهوري منذ سنوات. ذلك أن خدعة تحويل البرامج الفيدرالية إلى منح جزافية، ثم ادّعاء أن هذا لن يعني تقليصاً كبيراً، كان ركناً ركيناً من كل واحدة من ميزانيات بول ريان. ومثلما ذكرتُ، فإن خدعة مقارنة أرقام الدولارات على مر الزمن من أجل إخفاء التقليص الكبير للمزايا موجودةٌ منذ التسعينيات. وخلاصة القول إن مشروع قانون «جراهام- كاسيدي» ليس حالة خاصة، وإنما جوهر ونموذج كل شيء سيئ ومعيب يتعلق بالجمهوريين المعاصرين. ---------------- بول كروجمان* * محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»