كالعراق نفسه تقريباً، يبدو معظم العالم قلقاً تجاه استفتاء كردستان، بل أعلنت تركيا أن الاستفتاء موضوع أمن قومي بالنسبة لها، وأنها ستواجهه إذا لزم الأمر، ولكن يبدو أن معظم الإعلام العربي يُقلل من أهمية استفتاء الاستقلال الكردي المحتمل، والمقرر تنظيمه يوم 25 سبتمبر الجاري. فالإشارات لهذا الاستفتاء قليلة، كما أن تحليل الحدث نفسه كثيراً ما كان معدوماً. قد يكون تجاهل الحدث نوع من محاولة تهميشه، أو التمني على السلطات الكردية في الشمال العراقي بأن تقرر في آخر لحظة تأجيله، كما حدث في سنة 2014. لكن هذا التجاهل لا يُنهي بالمرة المشكلة القائمة، وهي مصير العراق والدولة العربية نفسها في مواجهة التعددية الإثنية واللغوية والدينية. هذه التعددية واقع معاش، لكن تجاهلها كظاهرة في الدولة العربية -كما في العديد من دول العالم- قد يتحول إلى مشكلة، ثم أزمة، ثم حرب أهلية تجلب الكوارث لمنطقتنا. الأبحاث العلمية تُبين أن المشكلة لا تكمن في التعددية، بل في كيفية التعامل معها. تقول الإحصائيات الحديثة، إن نحو ثلثي دول العالم تعاني التعددية، بمعنى أنه إذا تم اختيار شخصين عشوائياً، فسيبلغ احتمال اختلافهما في اللغة أو الدين أو العرق نحو 65?. التعددية إذن ظاهرة عامة، لكن العامل الذي يُميز بين المجتمعات هو السياسات التي تطبقها الحكومات المختلفة في التعامل مع هذه الفروق الإثنية واللغوية والدينية. فقد قبلت لندن مثلاً أن يكون هناك استفتاء في اسكتلندا حول بقائها في المملكة المتحدة أم انفصالها، وأعلنت أنها ستحترم نتيجة الاستفتاء، ولم يفُز المطالبون بالاستقلال. والشيء ذاته حدث في كندا بالنسبة لمقاطعة كيبك الناطقة بالفرنسية، والتي نظمت استفتاءين بفارق عشرين عاماً، ولم يفز الانفصاليون في أي منهما. أما الانفصاليون في إقليم كتالونيا في الشمال الإسباني فيستعدون لتنظيم استفتاء في أول أكتوبر على الرغم من معارضة الحكومة المركزية في مدريد. معظم تجارب التاريخ تُبين أن الانفصال عادة ما يكون مكلفاً. ذهب ضحية الانفصال في شبه القارة الهندية، عقب الاستقلال مباشرة في سنة 1947، مئات الآلاف، وانقسمت عشرات الآلاف من الأسر بين الهند وباكستان، ولا تزال مشكلة كشمير تؤجج الصراع بين البلدين، ثم انقسمت باكستان نفسها في بداية السبعينيات وأصبحت بنجلاديش من أفقر دول العالم. والمثال الأقرب إلينا تاريخياً وجغرافياً هو انفصال جنوب السودان عن شماله، حيث تعاني الدولة حديثة الاستقلال حروباً قبلية وفقراً ومجاعة. هل تود كردستان أيضاً التعرض لمثل هذا الخطر؟ وما الحل الممكن بين الحق المقدس والطبيعي في تقرير المصير وبين المحافظة على كل دولة موَحّدةً؟ تُبين تجارب الدول الحديثة أن الحل لا يكمن في تجاهل مشكلة التعددية، بل مواجهتها بمجتمع مفتوح ونظام فيدرالي، تختلف مؤسساته ومرونته من بلد إلى آخر. والولايات المتحدة -كما يُبين اسمها الرسمي- هي دولة فيدرالية تمنح ما يشبه الاستقلال لكل من ولاياتها، حتى أن بعضها لا يزال يُطبق حكم الإعدام وبعضها يتبع الحكومة المركزية في منعه. كندا أيضاً دولة فيدرالية، وتتمتع مقاطعاتها بالاستقلال التام في نظم الصحة والتعليم وبأولوية اللغة المستعملة، وحتى سياسات الهجرة المطبقة عملياً تختلف من ولاية إلى أخرى. الهند أيضاً ذات نظام حكم فيدرالي. ألا يجدر بنا النظر إلى هذه التجارب بالتفصيل، والتخلي عن المفهوم الخاطئ حول النظام الفيدرالي، إذ يراه بعضنا نوعاً من الانفصال المقنع الذي يهدد وحدة الدول؟ الواقع أن الحقيقة عكس ذلك تماماً، وأن تجاهل التعددية في الدولة العربية هو ما جلب ويجلب لها المشاكل، في الماضي والحاضر والمستقبل أيضاً.