اسحق رابين وأرييل شارون، إسرائيليان وصلا إلى أعلى المواقع السياسية في نظام الحكم الإسرائيلي. اختلفت مواقفهما تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولم يجمعهما إلا أنهما كانا في رئاسة الحكومة عندما اغتيل الأول في 4 نوفمبر 1995، وأصيب الثاني بجلطة دماغية في يناير 2006 دخل بعدها في غيبوبة لمدة ثماني سنوات حتى مات في 11 يناير 2014. مازال الاختلاف بينهما كبيراً بعد رحيلهما. يذكر العالم لرابين سعيه إلى حل سلمي لقضية فلسطين. وبغض النظر عن مآلات اتفاق أوسلو، الذي وقعه مع الزعيم الراحل ياسر عرفات في سبتمبر 1993. كان رابين أكثر السياسيين الإسرائيليين إدراكاً لواقع الصراع، وحرصاً على تسويته. أما شارون فصار نسياً منسياً لا يُذكر إلا في مجال الاستدلال على التطرف الصهيوني الذي ساهم في اضطراب أوضاع الشرق الأوسط. ولا يُحتفى به إلا في أوساط غلاة الصهيونية الذين لا يريدون سلاماً يُعيد للفلسطينيين شيئاً من حقوقهم، وهم قلة قليلة في عالم واسع. لا يفكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في هذه المقارنة، بل ربما لا تخطر على باله، حتى بعد أن بدأ الخناق يضيق عليه. لا يعنيه أن يُحتفى به، ثم بذكراه على نطاق واسع في العالم. ولا يدرك قيمة حكم التاريخ على الشخصيات العامة، والقادة السياسيين. لا يبحث عن مكان بين رموز كبار تبقى أسماؤهم خالدة. تكوينه السياسي المتطرف، ونمط تفكيره المغلق، يمنعانه من استيعاب مغزى الفرق الكبير بين صورة رابين الإيجابية واسمه الحاضر في عدة مناسبات، وصورة شارون السلبية واسمه الذي كاد النسيان يطويه إلا حين يتذكره متطرفون صهاينة في مناسبة أو أخرى. لذا ليس متوقعاً أن يتيح فرصة لمبادرة يود الرئيس الأميركي دونالد ترامب إطلاقها، بعد أن أرسل وفداً ثلاثياً التقاه في 21 أغسطس الماضي ضمن لقاءات عقدها في عدة دول بالمنطقة سعياً لاستكشاف إمكانات هذه المبادرة. انتهت مهمة الوفد بلا نتيجة، لأن نتنياهو ليس مستعداً لمراجعة سياسته المتشددة تجاه عملية السلام في الوقت القصير الذي بقي له في رئاسة الحكومة، وفي الحياة السياسية الإسرائيلية عموماً. اقترب نتنياهو من نهايته كفاعل سياسي في إسرائيل، وليس كرئيس للوزراء فقط، بعد أن وصلت التحقيقات الجارية معه في قضيتي فساد إلى مرحلة متقدمة، وتحول مدير مكتبه السابق إلى «شاهد ملك» ضده، وبدأت الحياة تدب مجدداً في «حزب العمل» منذ انتخاب آفي جاباي رئيساً جديداً له في منتصف يوليو الماضي. والعلاقة وثيقة بين التطورين، لأن استمرار التحقيقات معه في الفترة القادمة وما يقترن بها من أخبار تُنشر وتُبث كل يوم عن تربحه من منصبه، قد يُضعف حزبه «ليكود»، ويؤدي إلى تحرك يفرض عليه الاستقالة، وانتخاب رئيس جديد لتجنب صعود حزب العمل في ظل قيادته الجديدة. ودلالة ذلك أن نهاية نتنياهو في الحياة السياسية الإسرائيلية عموماً، وليس في رئاسة الحكومة وقيادة «ليكود» فقط، باتت مرجحة. ولعل هذا يفسر الضغوط التي يمارسها على قادة حزبه، ووزراء في الائتلاف الحكومي الذي يرأسه، لكي يقفوا معه، ويذكِّروا الرأي العام بدوره في حماية أمن إسرائيل، سعياً إلى تحسين صورته التي تسوء يوماً بعد آخر، وخاصة بعد تخلي بعض وسائل الإعلام التي كانت تناصره عنه. غير أن فرصته في النجاة تضعف يوماً بعد آخر. وسيكون عليه أن يستقيل ويعتزل العمل السياسي فور توجيه اتهام ضده، ليس لأنه سيكون بحاجة للتفرغ للدفاع عن نفسه فقط، ولكن لأن هذه هي رغبة معظم الإسرائيليين وفق استطلاعات الرأي العام التي تُجرى منذ أن أصبح احتمال هذا الاتهام كبيراً في منتصف أغسطس الماضي. وتُظهر هذه الاستطلاعات أن نسبة لا تقل عن 65% من المستطلعين تذهب في هذا الاتجاه، وأن أنصار حزب «ليكود» هم أكثر من يريد من نتنياهو أن يستقيل فور توجيه اتهام ضده. ورغم أن معظمهم مازالوا يعبرون عن تأييدهم لسياسته، فهم يرون أن إسراعه بالاستقالة ضروري لانتخاب رئيس جديد للحزب ينقذه، ويحافظ على فرصته في انتخابات الكنيست المقبلة. ويتصدر كل من يسرائيل كاتس، وجلعاد أردان، وجدعون ساعر قائمة المرشحين المفضلين لخلافته وفق الاستطلاعات. أما الأسماء المفضلة لقيادة اليمين الإسرائيلي في مجمله بعد نتنياهو فهم جدعون ساعر، ثم نفتالي بينت، ثم أفيجدور ليبرمان.