قال تعالى مخاطباً سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام:(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس: 99]. حرية الاعتقاد قبل حرية العقيدة سبب نهضة الأمم، وقد يظن البعض أن الحرية هي الانفلات وعدم التقيد باحترام حرية الآخر وانتهاكها، وهي على النقيض من ذلك تماماً، بحيث تكون حرية مسؤولة لا تتعدى على حقوق واختيارات وأفكار الآخرين وبطريقة تكفل الحفاظ على مبادئ وممارسات وتشريعات العدالة والمساواة في المجتمع. فأن تحصر قوانين ازدراء الأديان في الدول الإسلامية على الكتب السماوية والرموز الدينية لديانات دون غيرها هو أمر لا يفهمه المليارات من البشر الذين لا يؤمنون بالديانات السماوية، وهو أمر يفتح الباب على مصراعيه ليهاجم ويسخر الفرد المسلم أو النصراني على سبيل المثال من الديانات غير السماوية والمعتقدات المختلفة هو مخالفة صريحة لحق الآخر في أن يحترم معتقده. وعندما يكفر من يشكك وينتقد بطريقة يراها منهجية وعقلانية بعض نصوص كتب السنة النبوية والفقه وفهم الشريعة، فلا نستطيع أن ندّعي أن مجتمعاتنا بها حرية فكرية، كما لا بد من أن نشير للإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي أسقطت حواجز الوهم المتعلق بتقديس البشر والمفاهيم. وأصبح من الصعب حجب وتحجيم كل شخص لديه المقدرة على تفكيك البنية التحتية لتسخير الدين لخدمة السياسة والاقتصاد والتاريخ والتفوق العرقي وغيرها من الأمور التي تتناقض مع كون الدين رحمةً للعالمين، وتفرق بين البشرية وتهاجم القيم الإنسانية العليا الجامعة للجنس البشري. فنشر الحرية التي تبني ولا تهدم في المجتمع يتطلب نمطاً مختلفاً من التفكير في العالم الإسلامي، وهناك محاولات جادة مثل مراجعة وتعديل مناهج التربية الإسلامية في جميع المراحل الدراسية، ولكن يبقى السؤال الحائر من يقوم بهذا التغيير وهل تنمية ثقافة حرية الفكر مضمونة في تلك المناهج كون عقل الطالب لا يحتاج لتهذيب بقدر ما يحتاج أن يعرف كيف يفكر، وبأن التطرف يبدأ من الذات ومن الداخل قبل أن يتلقى مؤثرات الخارج، ولا يجدي نفعاً أن تقول له إن الإسلام دين تسامح ومحبة، وهو يشاهد ويتفاعل بشكل شبه يومي مع واقع افتراضي أو غير افتراضي يتناقض مع ما يتلقاه، متجاهلين أهمية هدم لبنات جدار ثقافة العقل المنغلق غير المنفتح على نفسه قبل الغير، والذي يتغذى من محيطه وبيئته بسموم لا تفيد معها محاولات الترقيع، ولهذا هي منظومة شاملة لا تتجزأ للوصول لحلول متكاملة. فيتربى العربي والمسلم على التسامح وقبول الآخر لفظياً، ولكن سلوكياً يتربى على طمس كل مظاهر الاختلاف والتنوع والفخر بالعرق وتقسيم مجتمعه لمجتمعات صغيرة يتدرج فيها ولاؤه حسب القبلية والعشيرة والمنطقة والمذهب والمصالح والانتماء لثقافة حصرية يريد أن يحميها من أي تداخل وتأثير خارجي بدلاً من تكييف نفسه للتعايش مع معطيات وأطياف دولية فرضها البعد الوقتي والمكاني والتطورات الحادثة للكائن البشري. وعادةً يكون للشخص الشرقي قناعات ثابتة بأن العنصر البشري ينقسم إلى أجناس وأعراق بدلاً من قبائل وشعوب لها ألوان ولغات مختلفة وتصنيفات خاصة تجعل للمجتمع حلقات يجب ألا تتداخل عملياً إلا بقدر معلوم. ففي الفضاء العام للمجتمع المدني، وهو مجال مفتوح للجميع يجب أن يحترم اختيار نمط التفكير الخاص بكل فرد، وحق الفرد في إبداء الرأي والتفكير بأسلوب مغاير للقبول الاجتماعي. ومن المخجل أن يُدان شخص بسبب وجهة نظر، طالما أنه لا يمس استقرار وسلامة أفراد المجتمع وحقهم في العيش الآمن في دولة قانون تكفل حق الحرية المسؤولة للجميع وتطوير تشريعاتها بصور مستدامة. ومن جهة أخرى يعتقد البعض بأننا كمسلمين بعيدون كل البعد عن حرية الفرد، وتمجيد المفكر الكبير بدلا ًمن المفكر الكبير، ورفض التفريق بين الوعي والعقل. فالعقل يتقولب ويتكون قبل دخول الطفل المدرسة الابتدائية، وهو عبارة عن طريقة تفكير ويمضي بقية حياته يتبرمج في المدارس وفق آليات لا تسمح له من الخروج من التكوين التلقائي في السنوات الست الأولى من حياته، ولذلك المجتمع الإسلامي رافض لحرية التعبير والتفكير، ونحن منتمون للحضارة الحديثة عندما نكون في بيئة العمل أو في موقف رسمي يتطلب منا ذلك، ولكن عندما نكون خارج إطار الوظيفة نرجع للتكوين الأول، ونعود لأجواء النسق العام في محيطنا بين التلقين والنسخ واللصق.