لا يوجد أسعد من الإنسان الصادق مع ذاته، لأنه بعيد جداً عن عالم الغش والخداع تحت كل الشعارات التي يرفعها كثير من الناس اليوم، قبل الخوض في ثنايا هذه المقالة. دعوني أذكركم بحادثة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهم: كعب بن مالك السلمي، ومرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. هؤلاء الصحابة الكرام خلّد الله تعالى لنا توبتهم في القرآن الكريم لأنهم صدقوا في مقالهم واعتذارهم. فغيرهم تعذر كذباً بالكثير من المسوغات، لكن نفوسهم الكريمة أبت عليهم إلا الصدق، حيث لم يكن لهم عذر يذكر في تخلفهم عن جيش الإسلام، ورغم ما للصدق من تبعات لخصها الله تعالى في حالتهم «ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ». جاءهم الفرج من الرحمن الرحيم، في القصة شاهد على أن في الصدق نجاة، تذكرت هذه الحادثة، وأنا أتابع شهادة الدكتور عيسى بن خليفة، والأستاذ عبدالرحمن بن صبيح. تلك الروايات التي بثتها أجهزة الإعلام الوطنية، والتي بينت بما يدحض كل الشبهات دور «الإخوان المسلمين» في مجتمع الإمارات، وأن هذا الحزب تلقى الكثير من العون من التنظيم الدولي الذي يديره خليجياً مجلس التنسيق من الدوحة، تلك البقعة التي نتمنى جميعاً أن تعود كما كانت واحة للخير في منطقتنا، قبل أن تحتضن تلك المؤسسات التي شوّهت جمال المنطقة بفكرها المتطرف. تيارات الإسلام السياسي كغيرها من الأحزاب لها أكثر من أجندة، وهذا هو الإشكال الذي وقع عندنا في دولة الإمارات، فـ«الإخوان» الذين كان مركزهم في «جمعية الإصلاح»، لم يعلنوا ذلك صراحة، بل إن «تُقيتهم» الحركية سمحت لهم باستخدام ذلك المنبر الرسمي لتنفيذ أجندتهم الخاصة في الدولة. فكثير ممن التحق بجمعية «الإصلاح» منذ تأسيسها خدعه التصريح الرسمي لتلك المؤسسة، ولم يدرك جلهم تورطهم في ذلك التنظيم إلا بعد سنوات من الاحتضان جعلت الخروج عما كانوا فيه مسألة ليست بالسهلة، لذلك انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام، الأول منهم هم الذين تَرَكُوا ذلك التنظيم فور معرفتهم لحقيقته، القسم الثاني هم الذين غادروا تلك المنظمة بعد أن أدركوا أنها مرفوضة من الجهات الرسمية في الدولة تحديداً عندما تدخلت الجهات المختصة في التسعينيات، وشكلت مجلس إدارة لـ«جمعية الإصلاح»، الفئة الثالثة هم الذين استمروا في التنظيم حتى صدور الحكم بسجنهم عام 2013. لم تكن هناك حاجة لمثل هذه الأحكام لو أن الصراحة والصدق كانا نبراس من تم ضبطهم. فكثير ممن أقروا بسابقتهم التاريخية واعتذروا عن أخطائهم الفكرية لم يتعرضوا للمساءلة القانونية، ولم تكن الإمارات تقدم على ذلك لولا استشعارها بالتهديد الأمني المرتبط بالتنظيم السري، وهذا ما كشفته الاعترافات الأخيرة. وأخطر ما في المسألة، هو التعاون الدولي لتغيير خريطة المنطقة. لديّ حدس أن تغيرات ستشهدها القضية بعد سلسلة الاعترافات المسجلة، والتي بدأت فصولها الأولى ولم تنته بعد. التبرؤ من «الإخوان» لا يعني كما يفهم البعض أنه خروج من الإسلام، لكنه عودة إلى الإسلام غير الحزبي الذي أمر الله تعالى به. فكثيراً ما نجد تعليقات تصلنا حول مثل هذا الطرح مذيلة بدعاء «اللهم يامثبت القلوب ثبت قلبي على طاعتك»، إشارة إلى أن من يكتب عن جماعة «الإخوان» سلباً إنما فقد جانباً من إيمانه أو هكذا يزعمون. وأخيراً رسالة لأقلام باتت تنشر كل إشاعة عن الإمارات مقابل حصولهم على اللجوء خارج وطنهم. التاريخ يعلمنا صدق مقولة المعتمد بن عُبَّاد «لأن أرعى الإبل عند ابن تاشفين خيراً لي من أن أرعى الخنازير عند ألفنسو».