ما يثير القلق أن هناك من يقول: نحن مسلمون بالاسم فقط، وإننا نملك من الانفتاح على الآخر، ما لا يمكن تصوره لدرجة التنازل حتى عن اللسان والهوية وربما أشياء أخرى. خرجت في الهند جماعة منذ قرابة عشر سنوات تنادي بالتمسك بالهوية الثقافية الهندية وتسعى إلى استئصال لغة الثقافة المغلوبة والمتنازلة عن قيم المجتمع وهويته، وقد قاد هذه الجماعة شاعر هندي، وسرعات ما لاقت جماعته رواجاً بين فئات المجتمع بكافة أطيافه. وكان الهاجس المشترك كيف يدفعون بالمجتمع نحو التلذذ باللغة الأم، والتخلص من التداعيات والانعكاسات التي تحدث جراء غلبة الثقافة السائدة. لم يكن يعني هذه الجماعة ديانة الأعضاء بقدر ما كان الهدف الأصيل هو الدعوة إلى العودة إلى عمق اللغة والهوية الهندية، مما كان يعكس حقيقة الإشكالية التي يعيشها الهنود في الحفاظ على هويتهم الثقافية المضادة لطغيان اللغة الإنجليزية وثقافتها وبعدها الاجتماعي. بعض المثقفين لم يدركوا بعد أنهم أسرى للثقافة الغالبة، وأنهم وضعوا عقولهم بين قضبان الاستسلام والتساهل حتى في الأمور المتعلقة باللسان والهوية العربية المسلمة. ولم يقتصر الأمر على المجاهرة بهذه اللغة المهزومة، بل تخطاه إلى مشكلة أكبر، تتمثل في التعدي على الإسلام والسنة النبوية الشريفة، حين ينبري البعض إلى اختزال الدين في الأكل باليد اليمنى، ودعاء الدخول إلى الخلاء، ووصف الإسلام بأن له رجال يمثلون قمة التخلف الثقافي والجهل. لكن في الحقيقة لم يكن للإسلام رجال دين طوال تاريخه، بل لديه علماء وأئمة دين، فكل مسلم هو رجل دين، فهذا اللفظ ثم اقتباسه من الديانات الأخرى التي شكّل فيها رجال الدين محاور مهمة للدين ومقوماً أساسياً من مقوماته. أمثال هؤلاء لم يتعرضوا لمؤلف إسلامي مرجعي واحد، اكتفوا فقط بما يقوله أدعياء الثقافة الذين ذهبوا إلى الثقافة الغالبة وتعلقوا بأروقة فلاسفتها واستعطوا ضعفهم وهزيمتهم. فالإسلام ليس بحاجة إلى أن يدافع عنه أحد أو يثبت أنه دين سلام ومحبة، أو أنه لم يأت بـ«داعش» مثلما يتهمه البعض. ومن الخطأ القول بأن الإرهاب «سُني»، علماً بأنه لم يكن في العصور الإسلامية كلها جماعة سيئة قتلت الآخرين - مسلمين وغير مسلمين- بفحش وإجرام، بحجة الإسلام مثلما فعل تنظيم «داعش». ما أود تأكيده أن الإسلام لم يأتِ بـ«داعش»، ولا المسلمون لهم علاقة به، ولسنا بحاجة إلى الأيمان المغلّظة لنثبت فيها أننا مسالمون ونستحق أن نعيش في كنف الغالب بكل تهذيب وتقدير لدوره المتمحور حول النهب والقتل ولو بأسماء أخرى. حتى تنهض المنطقة العربية، وتتخلص من «سايكس بيكو» الجديدة، فإنها بحاجة إلى لغة عربية حقيقية، وثقافة تتخلص من أوراق الانهزام، وإلى موقف إنساني يتطلع فقط إلى الحفاظ على الكرامة التي تتماهى مع الهوية والثقافة المتصدرة والقادرة على أن تكون نداً وليس ذيلاً. فنحن أقوى بكثير وأكثر مما نتصور.