ليست هناك كلمة تهز الوجدان مثل كلمة الشهيد· ولا توجد كلمة أسيء استخدامها مثل كلمة الشهيد· وفي القرآن جاءت مفردات هذه الكلمة 82 مرة، ولكنها لم تكن مرة واحدة فيما يريده الناس· وما زلت أتذكر نفسي في الحقبة الناصرية حينما خرجنا نهتف بحياة الشهيد (باتريس لومومبا)، وكان الناس يتهامسون من يكون هذا الرجل؟ وفي يوم مررت على قبر مجرم شغل منصب رئيس المخابرات العامة في بلد ثوري، فقرأت فوق قبره ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون وكان المذكور يحب ضرب كرام الناس بنعله على وجوههم·
وفي 22 يوليو من عام 2003 انتهت حياة قصي وعدي قتلاً فذاقا من نفس الكأس دهاقا، ولكن الناس اجتمعوا في بلد عربي لتلقي العزاء على سيدي شباب أهل الجنة السبطين عدي وقصي؟ ولا يستبعد أن تمتلئ كتب التاريخ بقصة (شهادة) البطلين وهما يقارعان العلوج الأميركيين كما اعتدنا على الكذب في كتب التاريخ التي تدرس لطلبة المدارس·
وعندما يتصارع فريقان فيقدمان (قرابين) بشرية يعتبر القتيل في عين أهله (شهيدا)· وفي أعين خصومه (مجرما)· والفرق بين (الجريمة) و(الجهاد) شعرة كما كان الفرق بين (الزنا) و(الاغتصاب) و(الزواج) أقل من شعرة، فكلها ممارسة لعمل جنسي، ولكن الأول يقوم على (السرية) والثاني على (الإكراه) والثالث على (الإشهار)· وعندما جاهد (الخوارج) لم يكن موتهم (شهادة) بل جريمة· وإذا حاول الجراح فتح بطن المريض في سوق الخضار سمي قصاباً ولو كان سيد الجراحين·
وابن لادن اعتبر أن تفجير أبراج نيويورك سنام الجهاد وقمة الشهادة في الوقت الذي اعتبرت أميركا أنه جريمة نكراء وأنهم انتحاريون مجرمون·
وكما يقول نعوم تشومسكي الناقد الأميركي إن قرصاناً ألقي القبض عليه في زمن الاسكندر فبدأ في توبيخه كيف يزعج البحر؟ قال القرصان: أنا أنهب بسفينة صغيرة فأسمى قرصاناً أما أنت فتنهب شعوبا بأساطيل فتسمى إمبراطورا؟!
ويذكر القرآن كلمة الشهادة ومرادفاتها 82 مرة و الشهيد 36 مرة و الشهداء 20 مرة و الشهادة 26 مرة، ولكنه لم يذكرها مرة واحدة بصدد القتل والموت، بل بمعنى مختلف هو الحضور الواعي أو الإقرار والاعتراف (قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا) أو الجمع بين الأمرين وبهذا تكون الشهادة ليس ما يعنيها الناس من الموت في سبيل الله حصرا، بل على نحو أدق التمثيل المميز (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)· ومنه جاءت كلمة الشاهد في المحكمة لأنه إنسان عاين الواقعة بدقة وألقى السمع وهو شهيد· فهو يدلي بـ شهادته أي يفيد بما حدث صدقا وعدلا· و(الشهادة) بذلك أي الدخول في الإسلام والنطق بالشهادتين هي الاعتراف والإقرار بصدق ووعي (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)· وهذا الكلام يفيدنا في أن نرجع فنحرِّر المعاني كما يقول (ابن خلدون) ثم نكسي المعاني ثوب الألفاظ· ونحن في العالم العربي مغرمون بالألفاظ فيخسر الواقع حقيقة· فنسمي الشهيد من يقتل في سبيل قضية وبدون قضية؟ وتحت هذا المفهوم قد يدخل من يموت صادقا في سبيل قضية إنسانية كبرى· كما قد يموت الكثير من أجل عفونات من الصراع القومي والعرقي والطبقي والفئوي· وهنا يجب التفريق بين الموت من أجل فكرة و صدق تلك الفكرة· فليس كل من يموت من أجل فكرة يعني صحة الفكرة · وكثير من الشيوعيين والقوميين والملحدين ماتوا من أجل أفكارهم، فلا يعني هذا أن الشيوعية كبد الحقيقة والبعثية سدرة المنتهى· وأمام هذه الحقيقة كان الفيلسوف البريطاني برتراند راسل إذا سئل: هل عندك استعداد أن تموت من أجل أفكارك؟ كان يجيب: لا·· لأنني قد أكون مخطئاً؟!
وينقل عن بولس في أعمال الرسل أن البذرة حتى تتحول إلى شجرة يجب أن تدفن· وهي تفسر طرفا من الآية أن من يقتل في سبيل الله حي عند الله بطريقة وأخرى· وكسبت أفكار سيد قطب طابع القدسية بعد شنقه، فخدمه عبد الناصر أكثر مما آذاه· فنشر أفكاره من حيث أراد القضاء عليها وليس هناك من كتاب تفسير مثل الظلال طباعة ونشرا· وسيد قطب يقول إن كلماتنا تبقى عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الحياة ، فهذا قانون وجودي· وكل كتاب ممنوع ينتشر أكثر · وكل محظور مرغوب· وكل أشجار الجنة لم تكن كافية لآدم فذهب إلى الشجرة الوحيدة المحرمة فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما· وترك الملك إدوارد الثامن كل الملك والمال من أجل عيني امرأة؟ وسقط سور الصين العظيم إكراماً لمحظية·