صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

ترامب وماكرون.. والشراكة الصعبة

عندما وصل الرئيس دونالد ترامب ليحتل مقعده في حفل لموسيقى بيتهوفن نظم في إحدى قاعات العرض بهامبورج، بألمانيا، في الليلة الأولى من اجتماعات قمة مجموعة العشرين الأسبوع الماضي، ملأ التصفيق القاعة. غير أن هذا الترحيب الحماسي، كما فسرته وسائل الإعلام الألمانية، كان المقصود به الشاب الذي يجلس إلى جواره. لقد حصل ترامب على نصيبه من المجد الشعبي في وارسو في اليوم السابق، ولكن النجم في أوروبا الغربية كان الرئيس إيمانويل ماكرون.

وزيارة ترامب لباريس هي اللقاء الرابع بين الزعيمين في أقل من شهرين. وعلى رغم ذلك، فإن علاقتهما لا تزال في مرحلة البناء. وتظهر دراسة عن لغة الجسد بين الرجلين في لقاءاتهما مؤخراً تنافساً ناشئاً، حيث يتخذ الزعيم الأصغر الذي يحظى بشعبية موقف «انظر، أنا هنا» تجاه الزعيم الأكبر للقوة العظمى الحليفة!

وقد وجه الرئيس الفرنسي دعوة لم تكن متوقعة للزعيم الأميركي، للوقوف بجانبه في العرض العسكري في العيد الوطني لفرنسا (يوم الباستيل). وفي مقابلة مع مجلة «تشالينجز» الفرنسية الأسبوعية قال ماكرون: «إنني شخصياً لا أؤمن بالرئاسة العادية» وذلك في نقد مبطن لسلفه فرانسوا أولاند الذي قال قبل خمس سنوات أثناء حملته الانتخابية إنه يريد أن يكون «رئيساً عادياً». وماكرون دارس جيد للتاريخ، ولذلك فهو يدافع عن «شكل جديد من السلطة الديمقراطية»، التي تستند على المعنى والرموز والوعي بالتاريخ.

أما على الجبهة الداخلية، فكل من الرجلين ينظر إلى نفسه كزعيم من نمط جديد في زمن التمرد الشعبي ضد النخب الإعلامية والسياسية والاقتصادية التقليدية. فقد ترشحا للانتخابات مع التعهد بإلغاء النظام السياسي التقليدي في بلديهما. ولم يشغل أي منهما منصباً بالانتخاب قبل أي يصبح رئيساً، وكل منهما تولى منصبه كرئيس لسلطة تنفيذية قوية، مستفيداً من النظام الرئاسي القوي، على العكس من نظرائهما في معظم الدول الأوروبية الأخرى.

وكل من الزعيمين لديه مشكلة مع التيار الرئيس من وسائل الإعلام. وربما يكون العزم على ممارسة رقابة أفضل على الاتصالات الحكومية، الذي تسبب بالفعل في حدوث توترات مع وسائل الإعلام في فرنسا، واحداً من أوجه التشابه أيضاً بين الرئيسين. ومع ذلك فماكرون لا يهاجم الإعلام باعتباره «كاذباً»، ويتجنب بحرص توجيه النقد الشخصي للصحفيين، ولكن من الواضح أيضاً أنه لا يثق بهم ولا يعول عليهم لنقل رسالته بأمانة. وبهدف تأسيس قنوات اتصال خاصة به، تخلى عن إجراء مقابلة تلفزيونية عادية في «يوم الباستيل» وكما ذكر مصدر بقصر الإليزيه لصحفية لوموند فإن سبب ذلك هو أن «أسلوب التفكير المعقد للرئيس لا يتناسب مع لعبة السؤال والجواب الخاصة بالصحفيين». ولمخاطبة ناخبيه مباشرة، يلجأ ترامب إلى التغريد على «تويتر». أما ماكرون فهو يفضل إلقاء الخطب الطويلة، ويوثر أن يكون ذلك في جو حماسي.

وهنا يتوقف على الأرجح التشابه مع ترامب. ولأنه درس في المدرسة الوطنية للإدارة العريقة في فرنسا، وتعلم من أخطاء أولاند عندما كان يعمل في الإليزيه، فإن ماكرون لا يتسامح مع عدم الانضباط. وفي هذه الحكومة، لا يمكن أن تسمع وزير الخارجية أو وزير الدفاع يدافع عن موقف مختلف إزاء أزمة ما دون أن يكون متوافقاً بدقة مع ما يصدر عن الرئيس.

وفي 30 مايو، كتب «إتش أر ماكماستر»، مستشار الأمن القومي لترامب، و«جاري دي كوهن»، مستشار ترامب الاقتصادي، مقالاً في صحيفة «وول ستريت جورنال» يصفان فيه العالم بأنه «ليس مجتمع دولياً، ولكن ساحة تتنافس فيها الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية والشركات من أجل تحقيق المصالح». وبالنسبة للأوروبيين، هذا يبرز رؤية إدارة ترامب للعالم، وهي الرؤية التي يعارضونها بقوة. فهم ما زالوا يؤمنون بمجتمع دولي تنظمه قواعد متفق عليها على أساس متعدد الأطراف.

أما ماكرون، فقد قال للصحافة خلال قمة العشرين التي عقدت الأسبوع الماضي: «لم يشهد عالمنا من قبل مثل هذا الانقسام»، فيما يعد انتقاداً مبطناً للموقف الأميركي. واستطرد: «إننا بحاجة لمزيد من التنسيق الفعال. نحن بحاجة إلى هذه المنظمات الدولية التي أنشئت نتيجة للحرب العالمية الثانية. ومن دون ذلك، فإننا سنعود إلى النزعة القومية ضيقة الأفق».



سيلفي كوفمان

رئيس التحرير السابق لصحيفة «لوموند»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟