تعتبر الفيروسات من الكائنات الحية البسيطة جداً، بل يمكن القول إنها كائنات متناهية في البساطة والتركيب، فهي لا تزيد على كونها جزءاً صغيراً جداً من حمض نووي أميني، مغلف بغطاء من البروتين. ولذا أحياناً ما يدور جدل حول ما إذا كانت الفيروسات هي شكل من أشكال الحياة، أم أنها شكل من أشكال الموت والجماد، أم هي العتبة المنشودة بين الجماد والحياة، ولدرجة أن هناك مدرسة في علم الفيروسات، تؤمن بأن الفيروسات هي شكل من أشكال الجماد، يتحول في الظروف المناسبة إلى كائن حي! والسبب في نظرة البعض للفيروسات على أنها مرحلة بين الجماد والحياة، هو عجزها عن التكاثر أو القيام بالعمليات الحيوية الأساسية، مثل توليد وتخزين الطاقة، دون الاعتماد على معيل خارجي (بكتيريا أو خلية) للقيام بذلك، فالفيروسات خارج عائلها، لا تتنفس، ولا تشرب، ولا تأكل، ولا تتحرك، ولا تتكاثر، مثلها في ذلك مثل الجماد، ولكن عندما تدخل الفيروسات إلى داخل الخلية، فسرعان ما تدب فيها الحياة وتبدأ في السيطرة على الخلية، لتستمد منها الطاقة، ولتستخدمها في التكاثر والتوالد، وإذا ما خرج الفيروس مرة أخرى خارج الخلية، فسرعان ما يتوقف تماماً عن التكاثر وعن مظاهر الحياة جميعها. ويتزايد شيئاً فشيئاً مدى إدراك الأطباء لقوة العلاقة بين العدوى بالفيروسات وبين احتمالات الإصابة بالأمراض السرطانية، وإلى درجة أن البعض أصبح يؤمن بأن العدوى الفيروسية وحدها، هي المسؤولة عن 15 في المئة من جميع حالات السرطان التي تقع بين أفراد الجنس البشري، ومن أشهر الأمثلة على ذلك: فيروس الثآليل الجنسية المسؤول عن الإصابة بسرطان عنق الرحم عند النساء، وفيروسات التهابات الكبد الفيروسية، سواء من نوع (B)، أو (C)، والتي تؤدي إلى تليُّف مزمن في الكبد، ينتهي بالسرطان في 0.47 في المئة من حالات العدوى بفيروس (B)، أو 1.4 في المئة في حالة العدوى بفيروس (C). وتطول قائمة الفيروسات التي تنتج عن العدوى بها أمراض سرطانية، لتشمل فيروسات أخرى مثل فيروس (EBV) الذي يسبب الليمفوما، وفيروس (HTV)، الذي يسبب سرطان الدم واللوكيميا، وفيروس (XMRV) المرتبط بسرطان البروستاتا، ولدرجة أن الإحصائيات والدراسات المعملية أصبحت تشير إلى أن العدوى الفيروسية ربما تكون ثاني أهم عامل خطر خلف الإصابة بالأمراض السرطانية، ولا يسبقها في ذلك إلا تدخين التبغ. ودفعت هذه العلاقة الوثيقة بين الفيروسات والأمراض السرطانية العلماء والأطباء نحو اتجاهين مختلفين، في محاولتهم الوقاية من الأمراض السرطانية وعلاجها. الاتجاه الأول، يعتمد على استخدام التطعيمات التي تحقق وقاية ضد العدوى بالفيروسات، وبالتالي تمنع ظهور الأمراض السرطانية الناتجة عنها. وأفضل مثال على ذلك هو التطعيم الحديث نسبياً ضد فيروس الثآليل الجنسية، والذي يحقق وقاية ضد سرطان عنق الرحم. أما الاتجاه الثاني فيعتمد على استخدام الفيروسات نفسها، في قتل الخلايا السرطانية وتخليص الجسم منها، من خلال ما يعرف بأسلوب العلاج الفيروسي (Virotherapy). ويعتمد هذا الأسلوب على سبل التقنية الحيوية أو البيوتكنولجي لتحويل الفيروسات إلى أدوات علاجية، من خلال هندستها وراثياً، وتغيير تركيبتها الجينية، بحيث تستهدف وتقتل الخلايا السرطانية بالتحديد. هذه الفكرة ليست بالجديدة كلياً، بل تعود جذورها إلى منتصف عقد الخمسينيات، عندما لاحظ الأطباء أن المصابين بأمراض سرطانية، تتحسن أعراض مرضهم إذا ما تعرضوا لعدوى فيروسية غير مرتبطة بمرضهم الأصلي –مثل الإنفلونزا أو البرد العادي- أو حتى إذا ما تلقوا تطعيماً طبياً روتينياً ضد مرض معدٍ، وفسرت هذه الظاهرة حينها على أنها نتيجة إفراز الجسم لمادة كيميائية خاصة (إنترفيرون) عند تعرضه للعدوى الفيروسية، بالإضافة إلى مواد كيميائية أخرى تقتل الخلايا السرطانية. وبخلاف هذا الرد الطبيعي من الجسم أثناء التعرض للعدوى بفيروس، يحاول العلماء منذ عقود تخليق فيروسات خاصة، إلا أن هذه الجهود لم تحقق نجاحاً يذكر حتى الآن، بسبب أن التقنيات المتوفرة لم تكن تسمح بتحقيق ذلك. هذا الوضع من شأنه أن يتغير خلال الفترة القادمة، في ظل التطورات والاختراقات التي تحققت مؤخراً في عالم الهندسة الوراثية، وبالتحديد في قدرة العلماء على تغيير التركيبة الجينية للفيروسات، وهو ما أدى بالتبعية إلى زيادة واضحة في عدد المنح والهبات العلمية، التي أصبحت تخصص من قبل الجامعات، والمراكز البحثية، ونظم الرعاية الصحية، لدعم العلماء العاملين في هذا المجال، وحالياً أصبحت تعلق آمالاً كبيرة على هذا المجال، في ظل أن تلك الفيروسات المخلقة، بخلاف أنها نفسها ستهاجم وتقتل الخلايا السرطانية، يمكنها أيضاً أن تحدث تغيرات في جهاز المناعة بمكوناته المختلفة، بحيث يضطلع هو الآخر بهذه المهمة. د.أكمل عبدالحكيم