لا أستطيع التوقف عن التفكير في «أوتو وارمبير»، الذي «تعرض لمعاملة وحشية وترويع» من النظام الكوري الشمالي، بحسب قول والده في الأيام القليلة الماضية. و«وارمبير فتى ذكي ومحبوب للغاية أنهى دراسته في المدرسة العليا عام 2013 في مدينته الأم «وايومينج» بولاية أوهايو والتحق بجامعة فيرجينيا. وبحلول نهاية 2015 ذهب في زيارة إلى الصين وهناك انضم من باب حب الاستطلاع والمغامرة إلى رحلة لمدة أربعة أيام احتفالاً بالعام الجديد في كوريا الشمالية. وعندما غادر المشاركون في الرحلة مطار بيونجيانج الدولي في الثاني من يناير عام 2016، احتجزت السلطات «وارمبير». وبعد ذلك بشهرين ظهر«وارمبير» في تليفزيون كوريا الشمالية الرسمي ليعترف بجريمته المفترضة، وهي محاولة سرقة ملصق دعائي من الفندق الذي كان يقيم فيه ليأخذه كتذكار. ولا نعرف إذا ما كان الاعتراف القسري صحيحاً أم ملفقاً. وحتى لو كان صحيحاً فإن العقوبة الناتجة عن هذا والمتمثلة في 15 عاماً من السجن والأشغال الشاقة فادحة. ولم تظهر أخبار أو صور عن «وارمبير» البالغ من العمر الآن 22 عاماً حتى الأسبوع الماضي، حين استطاعت إدارة ترامب التوصل إلى الإفراج عنه ونقله جواً إلى أوهايو. وتبين أن «وارمبير» مصاب بعجز، وهذه هي الحالة التي كان عليها فيما يبدو طوال فترة احتجازه. وقال «دانيال كانتر» المتخصص في علم الأعصاب بالمركز الطبي لجامعة سنسيناتي الذي فحص «وارمبير»، إن «أفضل وصف لحالته العصبية هو اليقظة غير الاستجابية. أنه لا يبدي أي علامة على فهم اللغة أو الاستجابة للأوامر اللفظية أو الوعي بمحيطه. لم يتكلم. لم يقدم على أي حركات أو تصرفات ذات مغزى. وهذه الدارسة توضح فقدان مكثف لنسيج المخ في كل مناطق المخ». ونحن لا نعرف إذا كان أفراد قوات الحرس في سجون كوريا الشمالية قد ضربوا «وارمبير» حتى وصل إلى درجة فقدان الوعي أو الصيغ الأخرى التي اتبعت في سوء معاملته. ما نعرفه هو أن شاباً في صحة جيدة ذهب إلى بيونجيانج فاحتجز دون مبرر ثم غاب عن أنظار العالم دون حتى أن يكلف أحد نفسه عناء إبلاغ والديه بما حدث له. ونحن نعلم شيئاً آخر وهو أن هناك آلافاً بل مئات الآلاف من الكوريين تعرضوا لانتهاكات جنائية مشابهة كتلك التي عانى منها وارمبير على أيدي أعوان النظام الكوري الشمالي القمعي. فقد رصدت لجنة تابعة للأمم المتحدة، وفي عام 2014، «انتهاكات جسيمة واسعة النطاق ومنهجية لحقوق الإنسان ارتكبتها وترتكبها جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية». وجاء في تقرير اللجنة أن «استخدام التعذيب من الملامح الثابتة في عملية التحقيق في جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية. ويُفرض التجويع وظروف قاسية أخرى في الاحتجاز بشكل متعمد على المشتبه بهم. والأشخاص الذين يتبين أنهم تورطوا في جرائم سياسية كبيرة يختفون دون محاكمة أو أمر قضائي ليذهبوا إلى معسكرات الاعتقال السياسية. وأسرهم لا يتم إبلاغهم بمصيرهم إذا ماتوا». وجاء في التقرير أن «عدد النزلاء يتم التخلص منهم تدريجياً باستخدام التجويع المتعمد والعمل القسري والإعدام والتعذيب والاغتصاب ورفض حقوق التناسل من خلال العقاب والإجهاض القسري والوأد. وتقدر اللجنة أن مئات الآلاف من السجناء السياسيين تم تطهيرهم في هذه المعسكرات على مدار العقود الخمسة الماضية. والأعمال الوحشية التي يعجز عن وصفها الكلام التي اُرتكبت ضد نزلاء معسكرات الاعتقال السياسي تشبه فظائع المعسكرات في الدول الشمولية التي أقيمت في القرن العشرين». وهذا يعني أن معسكرات الأشغال الشاقة في الاتحاد السوفييتي ومعسكرات التصفية في ألمانيا النازية تم استنساخها تقريباً في كوريا الشمالية. وكل العالم يعلم هذا وتقرير الأمم المتحدة وثيقة عامة يستطيع الجميع الإطلاع عليها، لكن النظام مازال قائماً. كيف هذا؟ والواقع أن هناك عدداً كبيراً من الناس يجدون النظام مقيتاً لكنه ملائم. فالحكام الشيوعيون في الصين متضايقون من «كيم يونج أون»، لكنهم لا يريدون كوريا موحدة مؤيدة للغرب على حدودها. ولدى كوريا الجنوبية وزارة للوحدة لكن كثيرين من مواطني الجنوب الذين يبلغ تعدادهم نحو 50 مليون لا يريدون تحمل مسؤولية أو كلفة مشاركة 25 مليون كوري شمالي فقير في مستوى معيشتهم. ومن جانبها نجد أن الولايات المتحدة أكثر اهتماماً بالتفاوض من أجل إنهاء برنامج الأسلحة النووية لكوريا الشمالية بدلاً من مساعدة ملايين الأسرى. وأكد وزير الخارجية الأميركي «ريكس تيلرسون» في أبريل الماضي أن «هدفنا هو تغيير النظام». ورغم أن البلاد متخلفة وتعتمد كليةً على المساعدات الخارجية، لكن النظام مازال صامداً. وتستمر معسكرات الاعتقال، بينما تجلس ووالدة أوتو وارمبير المحطمة الفؤاد بجانبه ويراودها الأمل أن يصدر عنه أي علامات على الوعي من الجسد المحطم. فريد حياة محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»