هناك مشكلة كبيرة عند المفكرين العرب أنهم مقصرون بعض الشيء في التعريف بالنظام الإيراني وساساته، وذلك في علاقاتنا بمراكز الأبحاث الغربية وبجامعاتها ومفكريها، فالشعور الذي أخرج به دائماً هو أن الغربيين لديهم معلومات غير متكاملة عن طبيعة النظام في ذلك البلد وعن سياساته الخارجية الحقيقية. والمستشارون في مجال السياسات الخارجية الذين أراهم مع جل الرؤساء الحاليين ابتداء من الرئيس ترامب، مروراً بالمستشارة الألمانية ميركل، وصولًا إلى الرئيس الفرنسي الشاب ماكرون، هم من خريجي ومزاولي التدريس الجامعي. فجلهم جامعيون مختصون مثلنا في العلاقات الدولية، وهم الذين يقضون الوقت في كتابة القصاصات الاستراتيجية، بل ورسم السياسات الخارجية الرسمية لبلدانهم. وهؤلاء رجال متشبعون بالنظريات في سوسيولوجية العلاقات الدولية، ولهم علاقات وطيدة بالمفكرين من كل دول المعمورة قبل أن تكون لهم علاقات برجالات الدولة. وعندما تتواصل معهم وهم في دوائر القرار تجدهم أصحاب أفكار مسبقة أو جاهزة ورثوها من أيام التدريس والبحث العلمي في الجامعات! والمصيبة الكبرى أن الكتابات الفكرية المتزنة القادمة من عندنا قليلة إن لم نقل منعدمة، فلا يكون إلا ما يؤمنون به لوحدهم.. وإذا سألتهم مثلاً عن تشخيص حقيقي لطبيعة النظام في إيران، وعن المؤسسات النافذة، ستجد منهم أجوبة غير مقنعة... وإذا سألتهم عن أسباب تواجد أتباع ملالي طهران في اليمن والعراق وسوريا ولبنان فسيخوضون معك في تفسيرات جيوسياسية عقيمة... وإذا تفضلت وقلت لهم إن التقية عندهم تسمح لهم بفعل كل شيء، وإن مسألة السيادة الممنوحة من القانون الدولي لكل دولة منعدمة في إيديولوجيتهم، إن قلت كلذلك ابتسموا لك وغيروا الموضوع. يا سادة إن النظام في إيران قائم على الشخصنة السلطوية، وأعني بذلك «الولي الفقيه»، والذي وصفته المادة 107 من الدستور الإيراني بأنه «المرجع المعظم والقائد الكبير للثورة الإسلامية العالمية، ومؤسس جمهورية إيران الإسلامية، سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني، الذي اعترفت الأكثرية الساحقة من الناس بمرجعيته وقيادته». فالسلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية تمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأئمة (المادة 57)... فمهمته مهمة مركزية في نظام الحكم الإيراني، وهو المتفرد بالمرجعية الدينية لكل الشيعة في العالم، دون اكتراث بالحدود الجغرافية أو السيادة الوطنية. ولحماية هذا النوع من التواجد السلطوي في دواليب الدولة، فإن للقائد ممثلين يعينهم يبلغ عددهم نحو ألفي ممثل في كل مؤسسات الدولة وأجهزتها وفي الوزارات والسفارات والمراكز الثقافية، كي تتمكن أسس الثورة من البقاء انطلاقاً من «ممثلي الإمام»! وهذه السلطات والصلاحيات أتاحت للقائد إنشاء «دولة داخل دولة»، مع ما يعنيه ذلك من سريان نظام وقواعد غير مكتوبة، وأخرى مكتوبة، تكون فوق القانون والصلاحيات المشروعة المتعارف عليها، وبلباس ديني ثوري مطلق! إن النظام قائم على مؤسسات نافذة موضوعة مباشرة تحت سلطة «الولي الفقيه»، منها: مجلس صيانة الدستور، وهذا المجلس له صلاحيات حساسة بما فيها الإشراف على انتخابات مجلس خبراء القيادة ورئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي وعلى الاستفتاء العام. ومجلس تشخيص مصلحة النظام. ومجلس الخبراء. ومجلس الأمن القومي الأعلى. ومجلس إعادة النظر في الدستور. ولجنة الثورة الثقافية، التي تعنى بخلق أجيال جديدة تتبنى قيم الثورة وتكون مصدر قوة للدولة. ثم يجب أيضاً ألا ننسى «الحرس الثوري» المنبثق من «اللجان الثورية»، وهو الجهاز العسكري الموازي للجيش، الذي يخضع خضوعاً مطلقاً لإيديولوجية الثورة والتوجيهات العليا للدفاع عن خط القائد داخل إيران وخارجها، والدفاع عن «المستضعفين في الأرض» أينما كانوا، عبر عملية تصدير الثورة التي تتيح كل شيء بما في ذلك خلق الفتنة، وزعزعة أركان الاستقرار للدول والشعوب. وإذا أفهمنا زملاءنا في الدول الغربية من خلال هذه الإطلالة السريعة نوعية النظام القائم في إيران، سيفهمون كل شيء. وسيفهمون أن لعب إيران على الوتر الطائفي مسألة وجود إيديولوجي لإيديولوجية ولاية الفقيه. وسيفهمون أن تصدير مشروع الثورة الإيرانية لن يكون إلا من خلال استعمال أدوات مذهبية باستغلال وتجييش طائفي لبعض الشيعة العرب وغيرهم في المنطقة العربية لنشر مبادئ ومرتكزات الثورة. وكل ذلك لتعزيز المصالح القومية الإيرانية، والتمركز داخل النظام الإقليمي وابتزاز الخصوم والأنداد.