لسنوات أتابع المواقف المصرية، داخلياً وخارجياً، أتعاطف معها أحياناً، وأنتقدها وأرفضها أحياناً أخرى، أو أظل محايداً دون إبداء رأيي في أحيان كثيرة أخرى حين تدعو الضرورة لذلك، وقد لاحظت على طول تجربتي الدراسية والبحثية والإعلامية، أن هناك ازدواجية في المواقف بين بعض العرب والمصريين، وفي الغالب كلا الطرفين، يظهر خلاف ما يبطن، وأن المواقف تزيد حدّتها كلما تراجع الدور المصري، بل إن بعض العرب يعمل جاهداً من أجل أن تكون مصر قزمة وسط أقزام، حتى تتساوى معهم، ويبرِّر ذلك بمواقف مصريّة يراها معادية للأمة العربية. خلفيّة ما ذُكِرَ أعلاه، هي محاولة الإعلام القطري، وخاصة قناة «الجزيرة»، تجاهل مقاطعة مصر لدولة قطر، فهي لا تذكرها على الإطلاق، مكتفية بدول الخليج الثلاث: السعودية والإمارات والبحرين، وقد تصورت أن هذا التجاهل، سببه موقف السلطات المصرية من الدعم القطري للإخوان المسلمين، أو قد يكون هدفه إشعار المشاهدين بأن الأمر شأن خليجي، وأن مصر لم تعد مؤثرة، لذلك لا تقيم قطر لها وزناً، لكن تفاجأت أن عدم تعليق مصر على موقف الإعلام القطري منها، سبَّب حالة من الإرباك للقطريين، وقد جاء ذلك واضحاً في سؤال طرحه أحد مذيعي قناة «الجزيرة» على الدكتور محمد صالح المسفر أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر. جاء السؤال على النحو التالي: ألا ترون أنه لا يأتي ذكر مصر حين يكون الحديث على الدول المقاطعة لـ«قطر»، مع أنها مشاركة في ذلك؟.. وأتت إجابة «المسفر» بما لا يليق بأستاذ جامعي في العلوم السياسية: «لا تذكر مصر لأنها مجرد دولة تابعة»، ويبدو أن الدكتور المسفر لم يدرك بعد أن صبر مصر ودول مجلس التعاون الخليجي منذ سنوات هو الذي أوصل قطر إلى الحالة الراهنة.. لقد أرادت قطر التأثير سَلْباً على مصر وشقيقاتها الخليجيات، فإذا بها تواجه مصيرها الحالي. لا يا دكتور المسفر، مصر ليست تابعة لأحد، وإنها لو رأت منذ 80 عاماً في «الإخوان» خيراً لمكَّنتهم من السلطة.. لقد رُفضوا من الأنظمة المتعاقبة، وفي الأخير نُبذوا من غالبية الشعب المصري، وفي جميع الأحوال فإن ما يحدث في مصر يعتبرُ شأناً داخلياًّ خالصاً، والأمر الذي لم ينتبه إليه المسؤولون القطريون هو: أنه خلال السنوات الست الماضية نُزِعَ من السلطة من هم أقوى منهم عدّة وعتاداً وأجهزة أمنية ودعماً شعبياًّ. أيّ تبعيّة يمكن أن تكون عليها مصر، وهي تحارب اليوم على عدة جبهات، وقطر وغيرها أنْسونا عدونا التقليدي إسرائيل بعد أن شرعنوا وجودها إعلامياً بتحالفهم مع أعداء جدد، لن تكون أرواحنا وأعراضنا وأراضينا أغلى لديهم من أبناء جلدتنا المتحالفين مع كل قوى الشر، وهم يعيثون في الأرض فساداً وتدميراً وخراباً. يا دكتور المسفر، إن دور المثقف العربي في الأزمات الكبرى هو العمل بجدّية من أجل وصول أمته إلى مرفأ الأمان، وإن تواصلت الأمور على هذا النحو سنفقد قطر مثلما فقدنا العراق وسوريا وليبيا، وقبلها فلسطين والصومال.. لذلك على دولة قطر أن تمتثل لمطالب شقيقاتها السعودية والإمارات والبحرين ومصر. وليكن ذلك قبل فوات الأمان، أي قبل أن يقول نظام الحكم في قطر ما أغنى عنَّي مَالِيَّهْ في الدنيا قبل الآخرة. خالد عمر بن ققه* * كاتب وصحفي جزائري