أسفرت الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية عن انتصار مذهل لحزب «الجمهورية إلى الأمام»، المنبثق عن حركة سياسية وسطية أُسست قبل عام ونيف فقط من قبل الرئيس المنتخَب حديثاً إيمانويل ماكرون. هذا الأخير ليس أصغر شخص يقود البلاد منذ نابوليون فحسب، ولكن حزبه الفتي فاز أيضاً بنحو 30% من الأصوات، وقد يحصد ما بين 400 و440 مقعداً من أصل مقاعد «الجمعية العامة» الـ577 مع انتهاء الجولة الأخيرة الأسبوع المقبل. والواقع أن الفوز بقرابة 70% من المقاعد المتاحة سيمثل حدثاً غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الخامسة. فأبوها المؤسس شارل ديغول لم يتوقع أغلبيات مستقرة مماثلة؛ والتحالف بين حزب «التجمع من أجل الجمهورية» اليميني و«الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية» الوسطي في 1993 هو الوحيد الذي استطاع تحقيق مثل هذه الهيمنة بـ458 مقعداً. لكن حتى في تلك الحالة، فإن أداء كل حزب، سواء بشكل منفرد أو معاً، كان جيداً إلى حد متوسط؛ حيث كانت قوتهما مازالت توازَن من قبل الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران. وبالمقابل، من المحتمل أن يواجه ماكرون معارضة قليلة جداً، وأن يكون في موقف قوي يسمح له بتنفيذ أجندته الوسطية، التي تشمل إصلاحات كبيرة لسوق العمل، وتقليص حجم القطاع العام، وإعادة إطلاق الاندماج الأوروبي عبر ترميم الشراكة بين فرنسا وألمانيا. وبالمقابل، مثّلت الانتخابات إخفاقاً للأحزاب الأخرى. فقبل ستة أشهر فقط، كان حزب «الجمهوريين» المحسوب على يمين الوسط يمني النفس بالرئاسة وبأغلبية في البرلمان، لكنه لم يحصل سوى على 20% من الأصوات، ومن المتوقع الآن أن يحرز ما بين 90 و130 مقعداً فقط، أي أقل مما كان لديه. غير أنه ربما يظل «الجمهوريون» حزبَ المعارضة الرئيسي، لكن يصعب تصور كيف سيمكنه الاضطلاع بهذا الدور بالنظر إلى أنه يتفق مع معظم سياسات ماكرون، كما أن رئيس الوزراء المعين حديثاً إيمانويل فيليب، إضافة إلى وزير الاقتصاد برونو لومير، أُخذا كلاهما من صفوف الحزب نفسه. ومن جانبه، سجّل الحزب الاشتراكي الحاكم سابقاً أسوء نتيجة له حتى الآن. فالحزب الذي حصل على نحو 11% من الأصوات، قد يتراجع من 300 مقعد في البرلمان الحالي إلى ما بين 15 و25 مقعداً في البرلمان الجديد. ولما كان 15 مقعداً هو الحد الأدنى اللازم لتشكيل فريق برلماني، فإن الاشتراكيين الذين يُعتبرون أحد أقدم الأحزاب الفرنسية، قد يتعرضون لإذلال تشكيل تحالف مع والخضر. حزب جون لوك ميلينشون «فرنسا الأبية» سجل أيضاً نتائج دون المستوى. فبعد الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الشهر الماضي، التي جاء فيها ميلينشون في المرتبة الثالثة، كانت ثمة توقعات بأن يتجاوز حزبُه الاشتراكيين ويتولى زعامة جناح اليسار القوي تاريخياً في فرنسا. لكن بـ14% فقط من الأصوات، فإنه بالكاد تجاوز منافسيه، بل قد يحصل على عدد أقل بعد الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية. وأخيراً، وفي ما يُعتبر النتيجة التي شكّلت أكبر مفاجأة، تعرض حزب مارين لوبين، «الجبهة الوطنية»، لانتكاسة قوية. فبعد صعوده في استطلاعات الرأي خلال الساعات القليلة الماضية، وحصوله على 34% من الأصوات في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، حصل حزب لوبين على 13.2% فقط من الأصوات يوم الأحد، وقد لا يفوز سوى بخامس أكبر عدد من المقاعد في البرلمان. وللوهلة الأولى، قد تبدو هذه النتائج مطَمئِنة للديمقراطية الليبرالية. إذ قبل بضعة أسابيع فقط، كان احتمال فوز «الجبهة الوطنية» بالانتخابات الرئاسية كبيراً، وهو ما كان سيعرّض للخطر مستقبلَ الاتحاد الأوروبي والاستقرار الاقتصادي لفرنسا حال تحققه. وبالمقابل، فإن ماكرون سياسي معتدل يمكن الاعتماد عليه، حيث تعهد بالوفاء بالتزامات فرنسا تجاه كل من الاتحاد الأوروبي والناتو. وربما تقدم المواقفُ القوية التي اتخذها خلال اجتماعاته الثنائية الأولى مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إضافة إلى قمتي السبعة الكبار والناتو الأخيرتين، مؤشراً أولياً على الزعامة الدولية التي ينوي إظهارها. كارلو إنفرنيتزي أتشيتي أستاذ العلوم السياسية بجامعة «ذا سيتي» في نيويورك ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفس»