يمكن للمتجول في مدن فيتنام هذه الأيام، أن يلاحظ نتائج المستوى العالي من النمو الاقتصادي الذي حققته هذه الدولة الصاعدة ذات الطموح الكبير، ويعكس الازدهار والتطور الذي شهدته العاصمة هانوي التحسن الكبير في مستوى المداخيل والثروات الذي تحقق خلال العقود الثلاثة الماضية، ومنذ عام 1990، عندما كانت فيتنام واحدة من أكثر دول العالم فقراً، ظل اقتصادها ينمو بمعدل 6 في المئة سنوياً، والآن أصبحت تُصنف وفق معايير البنك الدولي بين الدول ذات الدخل المتوسط، وتكمن الخطوة التالية التي تنتظرها هذه الدولة الطموحة في تحقيق شروط الانضمام إلى منتدى الأسواق الصاعدة المبنية على مقاييس ومعدلات النمو التي تضعها مؤسسات عالمية متخصصة من أشهرها «ستاندارد أند بورز» في سوق «داو جونز» وغيرها، وهي خطوة من المنتظر أن تكون مصحوبة بزيادة سريعة في الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن زيادة كبيرة في عدد الأسهم العالمية المدرجة في السوق المالية المحلية، التي تعود لكبريات شركات التمويل والاستثمار المالي في العالم. ويمكن أن يعزى النجاح الاقتصادي الفيتنامي بطريقة ما، إلى الظروف المساعدة. ومن أهمها انتهاء الحظر التجاري والاقتصادي المفروض على فيتنام منذ عام 1994، وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة في عام 1995، وهو الحدث الذي كان له أبلغ الأثر على الانطلاقة الاقتصادية لهذا البلد النامي. والآن، أصبحت الولايات المتحدة هي أكبر سوق في العالم للصادرات الفيتنامية، كما أن قربها من الصين يحقق لها أيضاً المزيد من المكاسب الاقتصادية الكبيرة. ومن بين أسباب النجاح الأخرى أن فيتنام بدأت في التحول إلى قاعدة صناعية ذات تكاليف إنتاجية تتميز بالقدرة على المنافسة، ويمكنها أن تكون بديلاً لقوى صناعية مشابهة ومجاورة لها، ومما ساعد على ذلك قربها الشديد من «سلاسل التموين» القريبة من المناطق الصناعية الجنوبية للصين. ومنذ أعوام عقد التسعينيات، اقترضت فيتنام أكثر من 14 مليار دولار من أجل عصرنة «وتثوير» بنياتها التحتية حتى تخلق الظروف المناسبة للنمو السريع والمستدام، وتضمن هذا المشروع خطة شاملة «لكهربة الأرياف» أدت إلى استفادة 97 في المئة من سكان المناطق المعزولة من شبكات التموين بالطاقة ارتفاعاً من أقل من 50 في المئة عام 1998. وترافق ذلك أيضاً مع تدعيم شبكة الطرق البرية المعبدة حتى أصبحت تغطي معظم المدن والأرياف، ونجحت هذه الخطة في توسيع القاعدة الصناعية ونشرها في كل المناطق، وتكفل العمال والموظفون الذين استفادوا من الاستثمارات الكبيرة التي وظفتها الحكومة في التعليم والتدريب، في قيادة هذه الطفرة التطورية. وأثبتت اختبارات حديثة في مادتي الرياضيات والعلوم العامة أن الطلاب الفيتناميين الشبان يتفوقون على نظرائهم الأميركيين والبريطانيين. ويضاف إلى كل هذه المؤشرات الإيجابية أن الحكومة الفيتنامية قررت فتح الأبواب أمام التجارة الحرة والاستثمارات الخارجية. ورفعت القيود عن حرية الأجانب في امتلاك الأسهم والأصول المالية الفيتنامية، وشجعت مقاطعاتها التي يبلغ عددها 63 على التنافس فيما بينها لاجتذاب المستثمرين العالميين. وبالفعل، حققت هذه الاستراتيجية التنموية النجاح المنتظر منها. ففي عام 2016 بلغ حجم الاستثمارات الخارجية المباشرة في فيتنام رقماً قياسياً عندما وصل إلى 24.4 مليار دولار، وكان قد سجل رقماً قياسياً سابقاً في عام 2015. وقد أثار لرئيس الأميركي دونالد ترامب خيبة أمل كبيرة للفيتناميين عندما اتخذ قراره بإلغاء «اتفاقية الشراكة غبر الهادي للتجارة الحرة» التي كان من المنتظر أن تفتح أمام فيتنام فرصة لا تعوّض لزيادة قدرتها على اختراق السوق الأميركية، وبقية الأسواق المشاركة في الاتفاقية، وواصلت الحكومة الفيتنامية إلغاء القيود التي يمكن أن تحدّ من صادراتها من السلع والبضائع. وأبرمت مؤخراً اتفاقية للتجارة الحرة مع كوريا الجنوبية ستضمن لها اجتذاب بعض أكبر المستثمرين العالميين، وهي تعمل الآن أيضاً على إبرام اتفاقية مماثلة مع الاتحاد الأوروبي. ولا زالت العلاقات الفيتنامية- الأميركية قوية. وهذا أمر مهم لأن الولايات المتحدة تعدّ السوق الأكثر أهمية للصادرات الفيتنامية، وهي المصدر الأول للاستثمارات الأجنبية أيضاً. ولكن كل هذا لا يعني أيضاً أن الاقتصاد الفيتنامي لا يواجه بعض التحديات، ومن أهمها مشكلة الفساد، حيث يُعتبر هو المشكلة الكبرى التي تواجهها الشركات الأجنبية الباحثة فرص ناجحة في فيتنام. وفي مؤشر التنافس السنوي لعام 2016، الذي يصدر عن الحكومة الفيتنامية، ويتضمن تحقيقاً في طبيعة الظروف التي يتم بها العمل، أعلنت الغرفة التجارية والصناعية أن 49 في المئة من الشركات الأجنبية التي تمت استشارتها اعترفت بأنها دفعت الرشى لمسؤولين إداريين خلال العام الماضي، وامتنعت أيضاً العديد من الشركات الأخرى عن الإدلاء برأيها في هذا الموضوع الحساس، ولذا فستكون لقدرة الحكومة الفيتنامية على حل المشاكل التي تعوق التطور والصعود، أثرها الكبير على استدامة معدل النمو المرتفع الذي يميز اقتصادها. جيمس بيركيت كاتب بريطاني متخصص في الشؤون الآسيوية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفس»