مرة جديدة يضرب الإرهاب الأسود أوروبا، هذه المرة كانت مدينة «مانشستر» شمال غرب إنجلترا موقع وموضع سفك دماء الأبرياء. كعادة «الهدوء الإنجليزي» التزمت الشرطة البريطانية الصمت في الساعات الأولى للحادث، غير أنها لاحقاً أقرت بأنه كان عملاً إرهابياً، فيما أشارت رئيسة الوزراء إلى معرفة شخصية الجاني، وعدم الكشف عنها لاعتبارات أمنية داخلية. هل كان الغموض سيد الموقف في انفجار مانشستر؟ الشاهد أن هناك علامات استفهام عديدة حول دور بريطانيا التاريخي وتشابكه مع خيوط وخطوط "الإسلام السياسي"، بل أكثر من ذلك مع التيارات الأصولية الإسلاموية المخضبة أياديها بالدماء حول العالم، وفي المقدمة منها جماعة «الإخوان المسلمين»، والتي كان الإنجليز وراء نشأتها وتطويعها كأداة لقمع الروح التحررية العربية، وكبت الرغبات الوطنية، عبر شعارات خلابة من الأمة الواحدة التي لا تهتم بالحدود الجغرافية. يستلفت الانتباه في حادثة «مانشستر» الأخيرة أنه وقبل وقوعها بساعات عدة، كان أحد أنصار «داعش» وفي تغريدة له، ينذر ويحذر من تهديدات إرهابية قادمة، وهو ما جرى بالفعل عقب الحفل الغنائي الذي شهدته المدينة، ما يجعلنا في حيرة حول «الإخوان» و«داعش» وهل من علاقة عضوية ما بينهما؟ سؤال أولي وجوابه معروف للعوام قبل النخب الفكرية، فـ«الإخوان» هم المعين الفكري والحاضنة الأيديولوجية التي نمت وترعرعت فيها التيارات الجهادية المتطرفة كافة، التي تؤمن بالعنف كأداة لتحقيق أهدافها، فمن رحمها ولدت في مصر الجماعة الإسلامية التي اغتالت الرئيس الراحل أنور السادات، وهذه عرفت طريقها في نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات إلى أفغانستان، فظهرت «القاعدة» لاحقاً، ومن فلولها في العراق وسوريا تم تكوين وظهور تنظيم «داعش». والأكثر إثارة في الأمر أن هذا كله جرى ويجري فيما «الإخوان» يملأون بريطانيا أمام أعين استخباراتها، والقضاء الإنجليزي يسبغ نوعاً من الحماية على المئات من كبار الإرهابيين المتورطين في أعمال عنف في دول عربية وإسلامية، الأمر الذي جعل كاتباً بريطانياً كبيراً بوزن «مارك كورتيس» زميل المعهد الملكي للشؤون الدولية، يطلق على العاصمة البريطانية لقب «لندنستان»، أي الحاضنة الجديدة للمتشددين، كما كانت أفغانستان من قبل. كتب «كورتيس» في عام 2010 كتاباً تحت عنوان «شؤون سرية: التواطؤ البريطاني مع الإسلام الأصولي»، وفيه عبر أكثر من خمسمائة صفحة سرد مفصل مدعوم بالوثائق التاريخية الرسمية البريطانية، يفضح تآمر الحكومات البريطانية المتتابعة عبر العقود الماضية مع المتطرفين دولاً وجماعات. السؤال المثير للقلق الذي يطرحه «كورتيس» وعدد بالغ من المفكرين والمنظرين لسياسات بريطانيا.. هل كان هدفها قطع الطريق على القوى القومية العروبية ذات التوجه العلماني الإيجابي، والتي أخذت على عاتقها رفع لواء الاستقلال الجغرافي من جهة، والخلاص من ربقة العبودية الفكرية من ناحية أخرى، كي تسود تيارات الظلام والأصوليات الراديكالية التابعة والموجهة لخدمة الفوقية الإمبريالية الغربية؟ الثابت أنه إن لم يكن ذلك كذلك، فما هو تفسير صون بريطانيا وحفاظها بقوة على المئات من المراكز والمؤسسات الفكرية والعملياتية التابعة لـ«الإخوان» فوق أراضيها، وقد باتت تأثيراتها الفكرية تتجاوز الحدود الداخلية لبريطانيا، وأصبحت تمتد إلى بقية دول القارة الأوروبية في شبكة تجمع الآلاف من المجاهرين بآرائهم، وهي بلا شك تتقاطع سلباً مع قيم التنوير والتسامح وقبول الآخر التي تبشر بها أوروبا صباح مساء كل يوم. التحليلات الأولية لحادثة مانشستر قالت وتقول إن الجناة من الداخل، لا سيما وأن هناك صعوبات لوجستية كبيرة تمنع دخول عناصر"داعش"، وهو الأمر الذي أكدته صحيفة "يو. إس إيه توداي" الأميركية بعد أقل من 24 ساعة على العمل الإرهابي، بل وحدد بعض المسؤولين الأميركيين اسم منفذ الهجوم، وتالياً أعلن «داعش» مسؤوليته رسمياً، ما يعني أن «داعش» موجود في قلب بريطانيا اليوم بفضل نشر أفكار حركة "الإخوان" المتطرفة هناك. في كل الأحوال يستنكر المرء ويشجب ويدين إراقة أرواح البريطانيين في حادثة مانشستر الإرهابي الهمجي كما وصفه البابا فرنسيس، غير أن المشهد المؤسف يقتضي طرح السؤال الأخير: هل هذا هو حساب الحصاد البريطاني؟ إميل أمين* *كاتب مصري