ثمة في الخطاب الإعلامي والثقافي الغربي كثير من الغموض واللبس حول مصطلح «الجهاد»، لما ارتبط به من أعمال تفجيرية وانتحارية وممارسات عنيفة ودموية عرفتها الكثير من مناطق وبلدان العالم خلال الأعوام الماضية الأخيرة، الأعمال التي أعطاها مقترفوها (محرضين ومخططين ومنفذين..) عنوان الجهاد زوراً وبهتاناً، رغم افتقارها لكل الشروط الموضوعية (السياسية والاستراتيجية) والشرعية (كما حددها الفقهاء)، حتى تدخل في باب الجهاد أو تتصل معه بأي صلة من الصلات! وعملًا على إزالة هذا اللبس وإجلاءً لذلك الغموض، أصدر الباحث محمد أحمد محمد على كتابه الجديد «الجهاد: مفهومه وأسبابه.. بحث في أسباب الحرب في القانون الدولي». وهو كتاب ضخم يقع في نحو 700 صفحة، توزعتها أربعة فصول ومقدمة وخاتمة. وقد اعتمد فيه المؤلف على المئات من أمهات الكتب والمراجع باللغتين العربية والإنجليزية، موضحاً أن ما نسميه حالياً بالقانون الدولي بالتحديد ما تناوله الفقهاء المسلمون تحت عنوان «الجهاد والسِّيَّر» (جمع سيرة)، وهو مجال يُعنى بالبحث في علاقات المسلمين بغيرهم أثناء أوقات السلم والحرب، وفي القواعد الكلية الحاكمة لهذه العلاقة. لذلك يعرف العلامة شمس الدين السرْخسي في كتابه «المبسوط»، علم السيَّر بالقول إنه «يبين سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب، ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمة، ومع المرتدين.. وأهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين». ويتوقف المؤلف عن مصطلح «القانون الدولي الإسلامي»، قائلًا، إن استخدامه يعود إلى عام 1930 مع الدكتور نجيب الأرمنازي في كتابه «القانون الدولي في الإسلام» (بالفرنسية). أما مصطلح «القانون الدولي» نفسه فهو حديث كذلك، إذ أن أول من استخدمه هو الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنتام (ت 1832)، وإن كان الرومان (والإغريق من قبلهم) قد استخدموا مفهوم «قانون الشعوب»، لكنهم لم يعدوا الأمم الأخرى سوى عبيد يخدمونهم ولا حق لهم ولا اعتبار. لذلك فالأمم التي سبقت المسلمين لم تعرف قانوناً دولياً شاملًا بالمفهوم الدقيق، بل كان على الحضارة البشرية أن تنتظر فترة طويلة حتى يأتي الإسلام بنظام جديد للعلاقات الدولية، يحدد قواعد إدارتها في السلم وفي الحرب. لكن تشوهات كثيرة لصقت بمفهوم الجهاد في الذهن الغربي، بسبب أعمال عنيفة وممارسات شاذة ارتكبتها جهات إسلامية متطرفة رفعت شعار الجهاد، وهي أبعد ما تكون عنه وعن قواعده وقيمه، حتى صار الجهاد مرادفاً للحرب الدموية والقتل العشوائي والإرهاب الأعمى. ويبحث المؤلف بتعمق في اتجاهات بعض الفقهاء وآرائهم حول الجهاد بوصفه شخوصاً إلى المخالفين ومحاربتهم في عقر دارهم، محللا السياق التاريخي للمفهوم وتطبيقاته، وموضحاً أن المسلمين الأوائل ذاقوا مرارة الغدر من غيرهم وفقدوا الثقة في كثير من الأمم الأخرى، إذ لم يعقدوا معهم عهداً إلا نقضوه، كما قتلوا كثيراً من سفرائهم الذين أوفدوهم حاملين رسالة الإسلام ودعوته. وهكذا فالمسلمون لم يحاربوا من الأمم إلا من حاربهم، لذلك نجد أنهم انخرطوا في سلام دائم مع الحبشة طيلة عهد الرسول (ص) وخلفائه وخلال القرون اللاحقة، لأن هذه المملكة لم تحاربهم ولم تظاهرهم بالعداء. كما يقدم المؤلف مقاربة مختلفة تسعى لربط الفتاوى ونصوص القرآن الكريم والحديث الشريف بسياقها التاريخي، بما في ذلك «آية السيف» التي وردت في خضم آيات كثيرة تبين أحوال عدو يتربص الدوائر بالمسلمين، وتحثهم على صد عدوان قائم أو قادم لا محالة. ويستعرض آراء العديد من التابعين والأئمة الكبار وعلماء السلف.. ممن صرحوا بأن الجهاد لا يجب شرعاً إلا حال الخوف من اعتداء وشيك أو محقق. ومن هؤلاء عطاء ابن أبي رباح (ت 114هـ)، وعمرو بن يدينار (ت 126هـ) وغيرهما. وبعد عرض موسع لآراء الفقهاء، يجد المؤلف أنهم قصدوا بـ«بجهاد الطلب»، وإن لم يصرحوا بذلك، «جهاد الطلب الدفاعي» الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتخذه بنهوضه إلى الأعداء في عقر دارهم قبل أن يصلوا إليه، بعد أن تأكدت منهم نية العدوان والعمل لتنفيذها. أما «جهاد المشركين» لمجرد كونهم كذلك، فإن الإجماع منعقد بين جمهور العلماء، كما يوضح المؤلف، على أن أهل الكتاب وغيرهم من سائر أهل الملل والنحل الأخرى يُقَرُّون على دينهم ويتعايشون مع المسلمين بعقد سلام دائم كمواطنين. لذلك ذهب الإمام مالك (ت 179هـ) وجمهور أصحابه والأوزاعي (ت 157 هـ) وسعيد بن عبدالعزيز (ت 167 هـ) وعبدالرحمن بن يزيد بن جابر (ت 153هـ)، وغيرهم، إلى أن جميع أهل الشرك يُقَرون على دينهم بغير استثناء. ويغوص الباحث في السياقين التاريخي والفقهي لمفهوم الجهاد، كاشفاً أسبابه التاريخية وشروط انطباقه، كما يتناوله في السياقات القرآنية والنبوية واللغوية، موضحاً أن هذا المفهوم في نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف ليس مطابقاً لمفهوم الحرب، بل الأصل فيه الجهاد الدعوي السلمي، كما تبينه الآيات والأحاديث. هذا علاوة على أوجه كثيرة أخرى للجهاد، مثل: مغالبة النفس، والحج، وطلب العلم، والقيام على الوالدين والعيال، وعمل البر والسعاية في الخير والصدقة. أما الجهاد القتالي، أو جهاد الدفع، والذي يفصِّل الكتاب في شروطه وأحكامه، فتتلخص أسبابه في دفع العدوان ورده، أما أهم شروطه فهو الشرط المتعلق بالسلطة المختصة بتقرير الجهاد (الحرب المشروعة) وإعلانه. وفي هذا الخصوص يدلل المؤلف من السنة النبوية وعمل الخلفاء الراشدين على أن المخاطب الحصري بهذه الفريضة إنما هم قادة المسلمين لا عوامهم، وعلى أن السلطة السياسية هي وحدها المسؤولة عن إعلان الجهاد للدفاع عن النفس.. وعلى أن الحرب لا تكون مشروعة من منظور القانون الدولي الإسلامي إلا إذا أعلنتها السلطة الرسمية بعد التحقق من توافر الأسباب والشروط الشرعية للجهاد. محمد ولد المنى الكتاب: الجهاد.. مفهومه وأسبابه المؤلف: محمد أحمد محمد علي الناشر: مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام تاريخ النشر: 2017