عندما قام الإرهابي الانتحاري بتفجير حزامه الناسف داخل «قاعة آرينا» في مانشستر من أجل قتل روّاد الحفل المخصص لنجمة البوب الأميركية «آريانا جراندي»، فلقد كان يتبع تقليداً ماكراً وذا أهداف بعيدة لتنفيذ الهجمات في أماكن التسلية والترفيه الغربية. ولا يقتصر هدف أمثال هؤلاء القتلة، الذين يقترفون هذه الأفعال الإرهابية الشنيعة، على الهجوم على رموز الثقافة الغربية فحسب، بل إنهم يحاولون أيضاً تقويض المعاني الأصيلة التي قامت عليها الحريات الشخصية التي نتمتع بها ونستقرئ أسسها ومفاهيمها من خلال الإيحاءات الفنية الخالصة. وهذا الهجوم الإرهابي الغادر الذي شهدته مانشستر هو الخامس من نوعه خلال خمس سنوات. ففي عام 2012، قتل الأميركي جيمس هولمز 12 شخصاً في قاعة «أورورا» السينمائية في كولورادو. وفي عام 2015، شهدت باريس سلسلة من الهجمات الإرهابية استهدف أحدها «استاد دو فرانس» عندما عمد إرهابيون انتحاريون لتفجير ستراتهم الملغمة خارج الملعب الرئيسي أثناء مباراة ودية في كرة القدم بين منتخبي فرنسا وألمانيا، كما استهدف هجوم إرهابي انتحاري متزامن معه عدة مطاعم، كما عمد ثلاثة إرهابيين، في الوقت نفسه، إلى إطلاق النار بشكل عشوائي داخل مسرح «باتاكلان» في باريس أثناء تقديم أحد العروض الغنائية. وفي عام 2016، قتل الإرهابي «عمر متين» 49 شخصاً، وجرح 53 آخرين في هجوم نفذه في نادي «بولس» الليلي في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا، وظهر فيما بعد أنه كان بصدد استهداف قرية «ديزني وورلد» الترفيهية. وقد اعترف بعض الإرهابيين بأن مهمتهم لا تقتصر على نشر الرعب والإرهاب فحسب، بل تريد استهداف الثقافة الشعبية الأوروبية بشكل خاص. وذكر بيان نشره تنظيم «داعش» حول هجمات باريس عام 2015 أن إحدى تلك الهجمات استهدفت «مركز باتاكلان» في باريس، بسبب ما وصفه البيان بالعروض اللاأخلاقية التي كانت تدور فيه. ووصف بيان صادر عن التنظيم، الذي أعلن مسؤوليته أيضاً عن تفجير قاعة مانشستر قبل أيام، أن هذه القاعة أصبحت تمثل «حلبة لتقديم العروض الفاحشة»! وربما تكون الهجمات التي تستهدف المؤسسات الثقافية بدلاً من غيرها من مواقع سابقة كانت تستهدف، جزءاً من تعاليم جديدة غريبة يتداولها من يطلقون على أنفسهم اسم «الجهاديين». وهذا يعني أن استهداف المراكز الثقافية يمكن أن تكون تداعياته أكثر خطورة وفقاً لما يعتقده هؤلاء الإرهابيون. ومن المعروف أن المطارات هي مجرد بوابات أو محطات للسفر والتنقل، ولا أحد يقصدها من أجل التسلية والترفيه، وما من أحد يشعر بالحاجة الفعلية للسفر إلى مكان ما سيلغي سفره بسبب تزايد المخاطر في المطارات. ونحن نذهب إلى الحفلات والعروض الفنية وقاعات السينما والملاعب الرياضية والمطاعم لتناول العشاء، بسبب ما تقدمه لنا تلك الأماكن من أسباب التسلية والترفيه والمتعة التي نشعر بها بوجود أفراد مجتمعنا على تنوع مشاربهم وتوجهاتهم. ولا يمكننا طبعاً تجهيز كل المنتديات الاجتماعية بالقوة الأمنية بطويقة شبيهة بتلك التي نطبقها في المطارات، لأننا لا نرغب في التحول إلى مجتمع راديكالي مختلف. ولهذا السبب، فإننا نتقاسم جميعاً الأعباء والتداعيات التي تترتب عن تلك المجازر التي يرتكبها الإرهابيون. وكما قال البعض بعد هجوم مانشستر، فإن اختيار عرض «آريانا جراندي» كهدف يعني استهداف امرأة شابة مع مشجعيها من الفتيات الشابات. وكان من بين الضحايا طفلة عمرها 8 سنوات. ويبدو أنه لم يعد من حق أحد أن يشعر بالمتعة التي تقدمها لنا الثقافات المختلفة مهما كان صغيراً في السن، من دون التعرض للكثير من المخاوف والأخطار. ولا شك أن مثل هذه الهجمات ليس القصد منها مجرد قتل الناس الذين أتوا لتناول العشاء أو الاستماع إلى الموسيقا والغناء، بل هي محاولة لاغتيال الفكرة التي تفيد بأن من الأفعال والممارسات الآمنة أن تتناول الطعام خارج البيت في إحدى الأمسيات، أو أن تذهب لمشاهدة العروض الفنية في أي قاعة، أو أن تسمح لأبنائك بفعل ذلك. وتكمن خطورة هذه الهجمات بشكل خاص في أنها قاتلة وبشعة، لأنها تستغل ميزة استسلام مشاهدي العروض الفنية لمشاعرهم الحسية أو الجمالية أثناء متابعة العروض، إلى الدرجة التي لا يمكنهم أن يستشعروا معها الإحساس بوجود أي خطر. وربما كانت إحاطة مسارح العروض الفنية والموسيقية والملاعب الرياضية وحتى المطاعم بأعداد من قوات الأمن، تجعلها أكثر أمناً. ثم إن البقاء في البيت ورفض إعطاء الفرصة للفنانين لإظهار إبداعاتهم لا يمكن أن يُعدّ انتصاراً على الإرهاب، ويمكن أن نعتبر الآن أنفسنا جميعاً من «الناجين» من شرور القاتل الأميركي وصاحب السوابق الشهير جيمس هولمز، إلا أن هذا لا يعني أننا أحرار بأية حال. آليسا روزنبرج مدوّنة أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»