منذ بدايات شهر مارس الماضي، تتعرض أجزاء كثيرة من دول القرن الأفريقي الأكبر، أو الأعظم، لموجة جفاف وانخفاض في كميات الأمطار خلال موسمها الممتد حتى نهاية شهر مايو، بما في ذلك الصومال، وكينيا، وإثيوبيا، وجنوب السودان، وأجزاء من أوغندا، ومن تنزانيا، وقد أدى هذا الجفاف النسبي، إلى تدهور ملحوظ في مستوى الأمن الغذائي، وفي المتوفر من المياه الصالحة للاستخدام الآدمي وللزراعة، وخصوصاً أن جفاف هذا العام أتى في أعقاب انخفاض ملحوظ في معدلات الأمطار خلال العام الماضي. وتوجه موجات الجفاف هذه ضربات قاسية للمجتمعات المحلية، ولاقتصادات تلك الدول، في ظل حقيقة كون اقتصاداتها تعتمد بشكل كبير على الزراعة وتربية الماشية، ففي الصومال مثلًا، تساهم النشاطات الزراعية بنسبة 65 في المئة من مجمل الدخل القومي الإجمالي السنوي، كما يعمل 65 في المئة من القوى العاملة في الصومال أيضاً في الزراعة. ويساهم قطاع تربية الماشية وباقي أنواع الحيوانات الداجنة بـ40 في المئة من الدخل القومي الإجمالي، وبأكثر من نصف عائد الصادرات. وبخلاف الوطأة الاقتصادية لسنوات القحط والجفاف، فكثيراً ما تترتب عليها مجاعات، دائماً ما عصفت بالمجتمعات البشرية خلال مراحل التاريخ المختلفة. حيث يقدر مثلاً أنه خلال المئة عام الممتدة من 1870 إلى 1970 قتلت المجاعات قرابة مليون شخص سنوياً، وهو ما يعني 100 مليون شخص خلال المئة عام تلك. ولكن منذ ثمانينيات القرن العشرين، اقتصر عدد الوفيات بسبب المجاعات على 75 ألف سنوياً فقط لا غير، وهو ما يشكل 10 في المئة فقط من عدد الوفيات في عقد السبعينيات، والعقود السابقة عليه. وهذا النجاح الهائل، تحقق على رغم النكسة الهائلة المتمثلة في وفاة 150 ألف شخص خلال المجاعة الصومالية في عام 2011. وأمام حقيقة كون المجاعات تشكل جزءاً من تاريخ الحياة البشرية على سطح كوكب الأرض، وتعتبر مأساة متكررة عبر التاريخ، وشبحاً يهدد العديد من المجتمعات الإنسانية من وقت لآخر، فقد قامت الأمم المتحدة بالتعاون مع شركائها الدوليين، بعمل تصنيف للمجاعات، من خمسة مستويات، بناء على شدتها وحدتها، لمساعدة الحكومات وهيئات الإغاثة وباقي المنظمات الدولية على تقييم خطورة الموقف، وتحديد درجة شدة المجاعة، وبالتالي تفعيل الاستجابة الملائمة. ويعتبر المستوى الخامس هو الأشد، ويمثل كارثة إنسانية بكل المقاييس، ويستلزم الشروط الثلاثة التالية، أولاً: أن يواجه 20 في المئة من السكان على الأقل نقصاً شديداً في المتوفر من الغذاء، مع محدودية إمكاناتهم وقدرتهم على التعامل مع الموقف. ثانياً: إصابة أكثر من 30 في المئة من الأطفال دون سن الخامسة بسوء التغذية الشديد. ثالثاً: وقوع وفاتين يومياً بين كل 10 آلاف من السكان، أو أربع وفيات يومياً بين كل 10 آلاف طفل. وعلى رغم النجاحات التي حققها المجتمع الدولي خلال العقود القليلة الماضية على صعيد الوقاية من المجاعات، وتخفيف أثرها ووطأتها إذا ما حدثت، إلا أن شبح المجاعة عاد مؤخراً ليطل برأسه القبيح هذا العام، حيث أعلنت الأمم المتحدة بشكل رسمي أن خطر المجاعة والوفاة جوعاً، يهدد نحو 20 مليون شخص حول العالم، وخصوصاً دول القرن الأفريقي الأكبر، وجنوب السودان، ونيجيريا، واليمن. وعلى رغم أنه من المعروف والبديهي أن النقص الشديد في المتوفر من الغذاء، يسبب أعداداً كبيرة من الوفيات، فإنه بين المجاعة والوفاة، يمر الضحايا بمرحلة المرض أولاً، وهو ما يجعل من الحفاظ على أساسيات الصحة الأولية مكوناً رئيساً في الاستجابة للمجاعات. ويمكن إدراك هذه العلاقة بسهولة، مما تسبب فيه الجفاف الذي تتعرض له الصومال حالياً، وما ترافق معه من نقص في مياه الشرب النظيفة، أدى إلى وقوع وباء من مرض الكوليرا في الصومال، هو الأكبر منذ خمس سنوات، حيث أصيب فيه أكثر من 36 ألف شخص بالجرثومة المسببة للمرض، وتوفي منهم قرابة السبعمائة خلال العام الجاري فقط. فمع النقص الشديد في المتوفر من الغذاء يصاب الإنسان بسوء التغذية الحاد، الذي يؤدي بدوره إلى إضعاف جهاز المناعة، تاركاً المصاب عرضة لجراثيم الأمراض المعدية بأنواعها المختلفة، من بكتيريا وفيروسات وطفيليات، ومما يزيد الطين بلة، أن المجاعات تترافق دائماً بعوامل أخرى سلبية، تجعل الأفراد أكثر عرضة وتأثراً بالأمراض المعدية، مثل النزوح والهجرة الداخلية، وانعدام مياه الشرب النظيفة، وتدهور نظم الصرف الصحي أو فقدانها التام، والتجمع وحشر أعداد كبيرة في مساحات ضيقة، وانهيار الخدمات الوقائية لنظم الرعاية الصحية، مثل برامج التطعيمات، وبرامج التحكم في القوارض والحشرات الناقلة للأمراض، بالإضافة طبعاً إلى انهيار خدمات الرعاية الصحية بمختلف مؤسساتها.