أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن مذكرة التفاهم التي وقعتها تركيا وروسيا وإيزان في مؤتمر «أستانة 4»، والخاصة بإقامة أربع «مناطق آمنة» في سوريا «كفيلة بإنهاء نصف الأزمة في سوريا»، ويبدو أن الاتفاق يحقق الصيغة السياسية التي استمرت أنقرة في طرحها منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، فهل تشكل صيغة الاتفاق على مناطق خفض التوتر أو المناطق الآمنة انتصاراً للرؤية التركية على رغم عدم إسقاط الأسد، أو وقف التقارب الأميركي الكردي؟ وهل يكتب للسياسة التركية في سوريا النجاح في ظل التوازنات الإقليمية؟ مثل هذا السؤال قد لا يكشف عن إجاباته إلا مع مرور الوقت، وفي انتظار الآتي. لدى تركيا أهداف محددة وواضحة في الساحة السورية، تعبر عن المصالح التركية، وفي سياق العمل على تحقيق هذه الأهداف واجهت تركيا إخفاقات وحققت نجاحات. وكان الهدف الأبرز في بداية الأزمة السورية هو إسقاط نظام الأسد، وعملت السياسة التركية على محاولة تحقيق هذا الهدف بكل الوسائل الممكنة، ولكن اليوم يتعذر تحقيق هذا الهدف، ما يفضي إلى تغيير في السياسة التركية. فأنقرة أكدت أنها «تتحفظ» من بقاء الأسد في منصبه، وهي إشارة إلى تراجع، ولكن لدى أنقرة أوراق ضغط وأوراق مساومة على أهداف أخرى في سوريا قابلة للتحقيق بوسائل متعددة، ولكن من دون التخلي أيضاً عن هذا الهدف بالمطلق. وقد شكلت الأزمة السورية مصدراً للتوتر والخلاف بين تركيا وكل من إيران وروسيا، إذ تمثل الموقف التركي في البداية بأن على الأسد الرحيل عن السلطة، في إطار أي حل سياسي للازمة السورية بمجرد إقامة هيئة الحكم الانتقالي بموجب مقررات مؤتمر جنيف الأول الخاص بالأزمة السورية. ولكن الموقف التركي شهد تحولاً واقتراباً من موقفي كل من روسيا وإيران اللتين تؤكدان منذ بداية الأزمة السورية على أن مصير الأسد سيقرره السوريون وحدهم. وانتقلت تركيا إلى مرحلة تحسين مواقعها السياسية والميدانية، فسياسياً تتطلع أنقرة للتقارب مع موسكو في هذه المرحلة لتنسيق المواقف مع روسيا، ومحاولة الاستفادة القصوى من المقاربة الجديدة لروسيا باتجاهها. وكذلك بالتوازي مع علاقاتها مع طهران تتطلع أنقرة إلى تحسين موقعها الميداني المباشر، عبر فرض وقائع على الأرض أو تعزيزها، بما يسمح لها بأن تمنع أي تسوية أو حلول مستقبلية، لا تراعي حداً أدنى من مصالحها. ففي نهاية لقاء بوتين وأردوغان في مدينة سوتشي الروسية يوم 03/04/2017، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين بنفسه عن موافقة روسيا على إنشاء المناطق الآمنة (مناطق وقف التصعيد) في سوريا، والذي سيعزز نظام وقف إطلاق النار. وأعلن بوتين أيضاً أنه قد ناقش في العشية موضوع إنشاء المناطق مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأن واشنطن تدعم هذا الإجراء. وقد استطاعت تركيا عبر السنوات الماضية المواءمة بين مصالحها الحيوية في سوريا وتغير الظروف دون أن تتنازل عن أوراق الضغط والقوة في سوريا، فيما استمرت في اللعب على التحالفات الدولية فسعت للتقارب مع روسيا وإيران، وفي ذات الوقت التأكيد على أن دعم إقامة دولة كردية في شمالي سوريا خط أحمر لا يمكن تجاوزه، ولدى أنقرة أوراق ضغط وأوراق مساومة، وتغيير الاستراتيجية لا يعني تغيير المصالح.