لا ريب في أن المجتمعات الدينية المستضعفة في أجزاء كثيرة من العالم، ولاسيما الشرق الأوسط، تواجه تهديدات على وجودها ومشكلات تمييز خطيرة. وفي أوضاع كتلك، كان ينبغي على «اللجنة الأميركية للحريات الدينية الدولية» أن تلعب دوراً بناء، وأن تقدم توصيات سياسية من شأنها المساعدة في حماية المجتمعات المستضعفة، ودعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحريات الدينية. ولذلك السبب أنشأ الكونجرس تلك اللجنة. ولكن، وأنا أُتم السنة الرابعة كعضو معين من قبل الرئيس السابق باراك أوباما في اللجنة، عليّ أن أقر بأننا لم نكن مؤثرين في تنفيذ هذه المهمة. والحقيقة المؤسفة أن حالة الحريات الدينية الدولية قد تدهورت، بأي مقياس موضوعي، في غضون العقدين الماضيين، منذ أن مرّر الكونجرس قانون الحرية الدينية الدولية في عام 1998، الذي أنشئت اللجنة بموجبه. وإقراراً مني بذلك، خلال الأعوام الأربعة الماضية، سألت زملائي متحدياً عن أي اختلاف تمكنا من إحرازه، وماذا كان يمكننا أن نفعل لنصبح أكثر تأثيراً. وأتصور أن جزءاً من السبب وراء عدم قدرتنا على تحقيق أي تأثير هو طريقة تفسيرنا للتفويض الذي حصلت عليه لجنتنا. وبدلاً من أن نعمل كمجموعة خبراء من الحزبين، تقدم توصيات مبنية على معلومات للإدارة والكونجرس، رضينا بأن نعمل مثل منظمة غير حكومية ممولة من الكونجرس، تكتفي بالبيانات الصحافية والافتتاحيات التي «تحدد وتصم» الدول التي تنتهك الحريات الدينية. وينص التشريع الذي أنشئت بموجبه «اللجنة الأميركية للحريات الدينية الدولية» على أننا ينبغي أن نعلق على تقارير حقوق الإنسان والحريات الدينية السنوية الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، وأن نقدم توصيات للإدارة والكونجرس. وبدلاً من ذلك نقضي الجزء الأكبر من العام نكتب ونحرر تقريرنا الخاص، من دون أن نأخذ في الاعتبار حقيقة عمل وزارة الخارجية. وبالطبع، فذلك خطأ جسيم، لأن وزارة الخارجية الأميركية تستثمر موارد هائلة في إعداد تقريرها، ولديها قدرات أكبر على الأرض من قدراتنا. وبعيداً عن موارد وزارة الخارجية، يضطر أعضاء اللجنة إلى كتابة مسوداتهم استناداً إلى مصادر ثانوية، وروايات من منظمات حقوق إنسان، أو نتائج رحلات يقوم بها بعض أعضاء اللجنة تستغرق أياماً معدودات إلى عدد قليل من الدول التي يتناولها التقرير. وبعد استلام المسودة، يُطلب حينئذ من أعضاء اللجنة مراجعة الفصول التي تتناول بعض الدول، والتي لا نعرف عنها سوى النزر اليسير، وإبداء التعليقات عليها. وتلك العملية معيبة، ولابد من إعادة النظر فيها. وثمة مخاوف أخرى أعربت عنها لزملائي في اللجنة. ففي كثير من المناسبات، أخفقنا في التمييز بين الانتهاكات الفعلية للحريات الدينية وبين الصراعات الطائفية والإقليمية على السلطة السياسية. وفي أحيان كثيرة، انخرطنا في تحليل اختزالي، وأخفقنا في فهم التعقيدات والركائز غير الدينية للصراعات، كتلك الجارية في نيجيريا أو العراق أو جمهورية أفريقيا الوسطى، ومن ثم فقدت تحليلاتنا وتوصياتنا البوصلة. والدين في حد ذاته، ليس سبباً للتوتر في تلك الدول، ومن ثم، فإن اقتراح حريات دينية ليس هو الحل وحده. وقد أوغل البعض في الاختزالية إلى حدود متطرفة بل وغريبة، زاعماً أنه، مثلما يصرون، إذا كانت الحرية الدينية هي «الحرية الأولى»، فإن كل ما بعدها ينبع منها. وهم وإن كانوا يربطون على نحو صحيح بين الحرية الدينية والازدهار والديمقراطية في بعض الدول، إلا أنهم يُرجعون على نحو خاطئ الديمقراطية إلى الحرية الدينية. وفي الحقيقة، الأكثر إقناعاً، أن الازدهار والديمقراطية شرطان أساسيان للحرية الدينية. ولعل «تسمية الدول المنتهكة ونقدها» من الأمور التي تلعب دوراً في مواجهة المنتهكين لحقوق الإنسان، ولكن لكي يكون لذلك تأثير، لابد أن تتمتع اللجنة التي تضطلع بتلك المهمة، بالمصداقية مع الدول المتهمة. ولسوء الحظ، لم يتم إدراك هذه الحقيقة أو تقديرها من قبل كثير من زملائي. ونتيجة لذلك، فإن إداناتنا كثيراً ما تلقى آذاناً صمّاء، وتؤدي إلى تدهور الأمور بدرجة أكبر. ولقضية المصداقية أهمية خاصة في الوقت الراهن لأن الإدارة الأميركية فيها أشخاص لديهم آراء غير ملائمة بشأن «الإسلاموفوبيا». ولتلك الأسباب، اعترضت على زملائي من أجل صياغة طريقة أكثر تركيزاً، تتضمن إجراء دراسة متعمقة للظروف في عدد من الدول القليلة المستهدفة، التي نشعر بأنه يمكننا أن نحدث فيها تأثيراً، بحيث يمكننا أن نقدم أفكاراً إبداعية لحل المشكلات، ومن ثم إحراز تقدم على صعيد تعزيز الحريات الدينية.