في آخر أبريل المنصرم، وتحديداً في 20-4-2017، قام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، بزيارة رسمية إلى موسكو حيث التقى بالرئيس فلاديمير بوتين. وتأتي هذه الزيارة في إطار دعم العلاقات الثنائية بين الدولتين على صعيد الاقتصاد والتجارة الخارجية والاستثمار والسياحة، بالإضافة إلى بحث القضايا الإقليمية والدولية القائمة ومحاربة الإرهاب وتطور القضايا الساخنة في المنطقة. وربما أن من أهم القضايا التي تم تناولها قضية تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة العربية وجوارها الجغرافي على ضوء ما تعاني منه من منعطفات خطيرة تحمل العديد من الأخطار والتحديات التي تحتاج إلى التعاون الإيجابي بين دول المنطقة جميعها والأطراف الدولية العظمى والكبرى الفاعلة والمؤثرة فيها بما في ذلك روسيا الاتحادية. وخير ما في الأمر على هذا الصعيد هو أن الجانبين أعلنا في نهاية اللقاء عن نيتهما إضفاء طابع الشراكة الاستراتيجية على علاقاتهما. إن زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد إلى روسيا والحفاوة الكبيرة التي استقبل بها أتت ضمن سلسلة الزيارات الناجحة التي يقوم بها سموه لعدد من الدول العظمى والكبرى والإقليمية الكبرى بهدف تعزيز الصداقات والعلاقات والشراكات الاستراتيجية مع مثل هذه الدول، وهو أمر يدل على رؤيته المستقبلية الثاقبة وحسن بصيرته بأن تنويع وتعدد مثل هذه الصداقات والشراكات يقوي ويعزز مصالح دولة الإمارات العربية المتحدة لدى هذه الدول ويجعلها قادرة على تحقيق أكبر قدر منها في الأحوال العادية من جانب، وعند الضرورات القصوى من جانب آخر، في إطار سياسات حكيمة تقوم على تنويع وجهات روابط وارتباطات الدولة على الصعد كافة، فنراه قبل فترة قد قام بزيارة ناجحة جداً إلى الهند التي تعد في هذه المرحلة عملاقاً آسيوياً قادماً، وها نحن نراه يقوم بزيارة ناجحة أخرى إلى روسيا ضمن نفس الأطر والتوجهات. ولا يوجد شك في أن الإمارات ترحب وتسعى دائماً إلى كل ما من شأنه الإسهام في تحقيق أمن المنطقة والدفع إلى الأمام لتبادل المصالح المشتركة مع روسيا، وذلك ضمن سياستها التي تهدف إلى تحقيق السلام والأمن والاستقرار العالمي. ومن جانبها تسعى روسيا أيضاً إلى تحقيق أمن الخليج العربي بإيجابية انطلاقاً من وضعها المميز كأحد الأطراف الكبرى التي توجد لها مصالح حيوية على مدار العالم، فما بالك بالخليج العربي الذي يقع على العتبات الأولى لوصولها إلى العالم العربي. وانطلاقاً من فهم حجم المصالح الحيوية لروسيا في الخليج العربي لابد لدولة الإمارات أن تدرك بأن روسيا تتبع حالياً استخدام منهج جديد في سياستها الخارجية يقوم على مفاهيم القوة الناعمة التي ترتكز على ثلاثة أوتاد هي: استخدام أداة السياسة الخارجية التي لها سلطة أخلاقية وتعتبر شرعية، واستخدام طروحات وقيم سياسية مقبولة لدى دولة الإمارات، وأخيراً الاستفادة من الطبيعة المتذبذبة وربما الهشة لأمن الخليج العربي كمدخل يقنع دوله ومواطنيه بأهمية الدور الروسي تجاه هذا الأمن. وفي ظل هذا النوع من المعطيات، وأخذاً بعين الاعتبار أن زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد إلى روسيا كانت ناجحة بكل المقاييس وحققت جميع الأهداف التي وضعت لها، فإن دولة الإمارات تستطيع، وربما أن من واجبها، أن تستثمر في ذلك وأن تنظر إلى المستقبل لصياغة أمن الخليج الذي من خلال التعاون مع روسيا. إن صياغة سياسة للمستقبل يجب أن تبدأ من نقطة الأخذ بعين الاعتبار ماهية مصالح دولة الإمارات العليا في الخليج العربي، وما هي استراتيجيتها العظمى حول ذلك والعوامل التي من المحتمل لها أن تهدد تلك المصالح. إن التزام دولة الإمارات بأية سياسة في الخليج العربي من خلال التعاون مع روسيا لابد وأن تضع في اعتبارها أن التهديد الرئيسي لتلك المصالح يأتي من إيران. وعلى أرض الواقع هذه هي الحقيقة المرة المستشفة من احتلال إيران لجزر الإمارات الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، والتهديد بالمزيد من التوسع في المياه الإقليمية ووقوفها ضد أية حلول سلمية للمشكلة وعرقلتها لها، والتدخل في شؤون البحرين الداخلية. إن الزيارة الميمونة الناجحة يجب أن تستثمر نتائجها لصالح الطرفين خاصة إذا ما رغبت روسيا في ذلك واستجابت لدعوات الإمارات الموجهة إليها للحد من التسلح النووي الإيراني المخيف.