سيغرق المحللون السياسيون في جدل عقيم لا نهاية له حول تساؤل محدد: ما الذي دعم موقف «بريكسيت» وترامب ولوبين؟ البعض يرى أن مصدر ذلك هو «الهوّة السحيقة» أو الفارق الكبير في المداخيل. وأما أنا، فأقول إن هذا الحكم ليس دقيقاً. والصحيح هو أنه نتيجة لقلق الناس من صعوبة تأمين أرزاقهم، وأيضاً من التوتر الذي أصبح يعاني منه الآن كل باحث عن وظيفة محترمة ومأمونة. وأعتقد أن التسارع الذي يطبع التطور التكنولوجي والعولمة الرقمية في وادي السيليكون، والذي لم يعد بالإمكان التحكم فيه، هو الذي خلق عالماً جديداً أصبحت فيه كل وظيفة تتطلب قدراً أكبر من البراعة والمهارة. وبات التدرب والتعلّم على فهم ومتابعة التقنيات المعقدة التي تظهر كل يوم، مهمة صعبة تستمر مدى الحياة كلها. ويتزايد الآن معدل الناس العاجزين عن مسايرة هذا التطور. ودعوني أواصل التركيز على هذه النقطة من خلال طرح أمثلة عن عدد قليل من النقاشات التي دارت بيني وبين زملائي من ذوي الخبرة الواسعة في هذه الأمور. وأبدأ بالمدير العام التنفيذي لشركة «إنتيل» برايان كرزانيتش الذي قال لي مؤخراً: «أعتقد أن أحفادي لن يقودوا السيارات أبداً». وطالما أن له بنات لا زلن في سن المراهقة، فهذا يعني أنهن لن يقدن السيارات بأنفسهن في المستقبل، لأن من المؤكد أن السيارات التي تقود نفسها بنفسها ستنتشر في كل الطرقات بعد 25 عاماً. وعندئذ، فإنك لن تحتاج لقيادة سيارتك، بل ستحتاج إلى «برمجتها» بوساطة هاتفك المحمول «الموبايل» أو عبر ساعة اليد أو على الزجاج الأمامي لسيارتك. وقال لي «مارك بوهر»، الباحث الرئيسي في شركة «إنتيل»، إن الاختراع الكبير الذي تعمل عليه الشركة اليوم هو الرقاقة الحاسوبية التي يبلغ طولها 14 نانومتر (النانومتر جزء المليار من المتر) وقد تم تركيبها عام 2014، وهي تضم 37.5 مليون ترانزيستور في كل ميليمتر مربع، ومع نهاية العام الجاري 2017، ستبدأ «إنتيل» بإنتاج رقاقة جديدة طولها 10 نانومترات يمكنها أن تضم 100 مليون ترانزيستور في الميليمتر المربع أو ما يعادل ضعف كثافة الترانزيستورات في الرقاقة السابقة، فضلاً عن كونها تتميز بإطلاق كمية أقل من الحرارة أثناء المعالجة، وتستهلك كماً أقل من الطاقة الكهربائية أثناء التشغيل. وإذا كنت تظن أن الآلات الحديثة بالغة الذكاء، فلا تستعجل، وانتظر عاماً واحداً لأن هذا التطور الذي تشهده صناعة الرقاقات الحاسوبية سيكون كافياً لتمكين صنّاع السيارات من تصغير «حجم الدماغ» المخصص للقيادة الذاتية للسيارات، بحيث يتلقى دفقاً متواصلاً من البيانات التي تأتيه من كل الجهات، ليحدد ما إذا كان الشيء الذي يتحرك أمام السيارة هو سيارة أخرى أم كلب أم دراجة ويتصرف بحسب الموقف. وعندما تمتلك مثل هذه القوة الهائلة في معالجة البيانات وتوظفها في صناعة البرمجيات التي لا تتوقف عن التطور، فستخلق بذلك عالماً يمكن التحكم ببياناته ومعطياته وتحليلها بدقة لم تكن معروفة خلال التاريخ البشري. وهذا يعني أن التصوّر الذي يقضي بأن في وسعنا أن نذهب إلى الجامعات لنتلقى العلم لمدة أربع ساعات من كل يوم، ثم نستهلك المعارف التي تعلمناها بعد التخرج في عملنا لمدة 30 عاماً قبل الإحالة على التقاعد، أصبح تصوراً من الماضي. وإذا كنت تريد أن تكون موظفاً دائماً وثابتاً، فإن عليك أن تقضي حياتك كلها في التعلم والتكيف مع التطبيقات التكنولوجية التي تتجدد مع كل يوم. ويعني ذلك أيضاً أن جزءاً كبيراً من مسؤولية حصولك على العمل أصبح يتعلق بك أنت نفسك. وبأن الرغبة والقدرة على التعلم أصبحت هي أكثر المهارات الحياتية أهمية. وهذه الحقائق الجديدة هي التي دفعت الخبير في قضايا التعلم والتوظيف «هيثير ماك جوان» إلى القول إنه: «بات يتحتم عليك التوقف عن توجيه السؤال للشاب الصغير: ماذا تريد أن تكون عندما تكبر؟ لأن ذلك قد يجمّد تفكيره في وظيفة محددة من المرجح ألا تكون موجودة على الإطلاق بعد بضع سنوات. ويكون من الأفضل أن تقول له: عندما تكبر وتتمتع بقدرتك السريعة على التعلم فستتمكن من فهم العدد الكبير من المهارات التي تتطلبها الحياة في القرن الحادي والعشرين». ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»