أصدقاء الحرف وعشاق النور، أسعد الله صباحكم بكل خير، ها هو رمضان يعود محملاً بروحانية الشهر حاملاً دعوة للحب والتصافي ونبذ التعصب والفرقة· ها هو رمضان يعود ويكتب لنا عمر جديد لنعيش أحلى أيامه ولياليه متفكرين متدبرين حكمة الخالق من فرضه ركناً من أركان الإسلام لغايات كثيرة من أهمها التراحم والتواصل والمحبة·
أصدقاء الحرف أكتب لكم في أول صباح رمضاني في هذا العام، اكتب لكم وأنا محمل ومثقل مثلكم بهموم شتى، ولكنني أكتب وأنتم تقرؤون كمن يلعق الجرح ويجلد الذات أو كمن كتب عليه عذاب العصفور·
تتنازعني أكثر من فكرة ولكنني سأكتب عن أكثرها إلحاحاً وأعبر فوق الجرح على محطات عربية وإسلامية· يثير الحديث في رمضان الهواجس، ولا أريد أن أنغص عليكم متعة متابعة الحرف ولكن!
الخاطرة الأولى: الغسيل الوسخ: تحرجت القاهرة من تدشين الكتاب وكأن الأمين العام للجامعة والجامعة العربية برمتها على مستوى القادة تتبرأ من محتويات الكتاب المثير للجدل· لا تذهبوا بعيداً فأنا لا أتحدث عن كتاب لتركي الحمد أو علي حرب أو سيد القمني أو المرحوم الصادق النيهوم، ولا أتحدث عن كتب من كتب المجون في العصر الإسلامي العباسي، ولا أتحدث عن قصائد الغزل والتشبب بالغلمان، ولا أتحدث عن كتاب من الكتب الصفراء أو فضائح الرشاوى أو صفقات دفن النفايات النووية، أو رحلة سفينة الأغنام الأسترالية التي استقر بها المقام أخيراً في ميناء مصوع الأريتري بعد رحلة استمرت أكثر من ثلاثة أشهر بين موانئ عدة رفضت كلها تفريغ شحنة الأغنام المصابة بعوارض صحية ألمّت بها وجعلت لحومها غير صالحة للاستهلاك الآدمي· ولدى الإخوة في أريتريا والسادة في أستراليا كل المبررات لإنهاء الحالة المأساوية لهذه الأغنام، أو جنون البقر أو الدجاج المُهَرْمَن أو الخيار المسمم كيميائياً ليست من بين فصول الكتاب الذي وصفه وزير الخارجية الأردني مروان المعشر بأنه ينشر غسيلنا الوسخ أمام العالم· ترى هل قادتكم هذه المعلومة لفك اللغز؟ إنه وببساطة لمن استطاع الاطلاع على بعض ما ورد فيه يعتبر وصمة عار على جبين كل برامج التنمية وادعاءات تحقيق الحياة الحرة الكريمة للمواطن العربي في أكثر من قطر· إذ يشير تقرير الأمم المتحدة لهذا العام والخاص بالأوضاع الإنسانية في الوطن العربي فيما يشير وهو كثير ومؤلم، إلى ارتفاع واضح ومؤسف في نسب الأمية وخصوصاً بين النساء وإلى أن الأطفال العرب وحتى في الدول النفطية الغنية يفتقدون لأبسط وسائل التعليم·
ويؤكد التقرير على أن هناك انتهاكات مستمرة وصارخة لحرية التعبير وابداء الرأي مع وجود عدد كبير من سجناء الفكر· وكثيراً ما يتعرض الكتاب والمفكرون والصحفيون للمضايقات والسجن بسبب أطروحاتهم التي تحاول أن تكشف المستور والمسكوت عنه في دهاليز السياسات العربية وأعتقد أن أخطر ما ورد في تقرير هذا العام، انتهاكات حقوق الإنسان العربي تحت ذرائع محاربة الإرهاب وتشديد الرقابة على تدفق المعلومات· إن قراءة ما ورد في التقرير لا تغني عن التمعن في واقع الإنسان العربي وما يعانيه في ظل تغييب للصوت الآخر وإهدار لكرامة· هذا العربي المطحون بين الفقر والفاقة وبين التطلع إلى حياة حرة كريمة·
الخاطرة الثانية: أبكيك بغداد: إلى بغداد مع الحب، اشتعل أوارها عندما بعث لي الأخ الدبلوماسي خالد الخاجة برسالة نصية قصيرة بمناسبة الشهر الكريم، وذكرني برمضان بغداد عندما كنا طلاباً في جامعاتها· رسالته جعلتني أهاتف أخاً عراقياً يقيم في المهجر الايطالي، أسأله عن الأهل والأحباب في السليمانية والنجف وفي الموصل والبصرة، أسأله عن الدمار واليأس الذي تبثه بعض الفضائيات ووسائل الإعلام العربية التي فقدت الطعم واللون والذوق معاً، وهي تتحدث عما يسمى بالمقاومة العراقية الباسلة! قال صاحبي: سوف نعود بكم ومعكم إلى عراق جديد، عراق يعد بالحب، عراق يمسح جرح ثلاثة عقود لو استمرت لخمسة أعوام أخرى لأبيد نصف العراقيين سحلاً، وقتل نصفهم الباقي جوعاً وكمداً· هنا تهدج صوت عرفان قائلاً إن الصورة قاتمة كما تشاهدونها، ولكن حمم البركان التي ستخمد وبعدها سوف يتحول الرماد إلى تربة خصبة لزراعة الأمل، وبعدها سوف يمسك الفلاح العراقي المسحاة ليقلب الطين ويجعله يخضر زرعاً وتلفحه أشعة الشمس ليتكور كيزاناً بلون الذهب، سنابل خير وحبات قمح تسقى بدم القلب· إخوتي في كل مكان سيعود إليكم العراق كما نريده أن يكون وطناً للجميع وستأتيكم كما حدثني جدي، تمور البصرة ودبس التمر، وستبحر إلى شواطئ حبكم الأخوي في الخليج مراكب وِجدنا محملة بماء الرافدين لتسقي إخوة روت دماؤهم الزكية طين أم قصر والكوت والناصرية والحلة وسامراء· سنعود إلى ذلك البيت الكبير في الوزيرية ويجتمع فيه شباب من الإمارات وعمان والبحرين والمملكة العربية السعودية· ستعودون إلى بغداد ولن يطاردكم أحد ليل نهار لغسل أدمغتكم وتحويلكم إلى بعثيين حاقدين حانقين ولن يهددكم أحد بقطع البعثة أو الطرد من الجامعة بسبب عدم انخراطكم في ترديد شعارات أمة عربية و