بعد الفوز الكاسح الذي حققه الرئيس الشاب إيمانويل ماكرون في الانتخابات الفرنسية التي أجريت في دورتها الثانية الأحد الماضي ـ 7 مايو الجاري، تساءل كثير من المراقبين: ما الذي سيتغير في سياسة فرنسا الخارجية تجاه الشرق الأوسط مع وصول رئيس جديد إلى قصر الإليزيه؟ يذهب معظم الإجابات والتحليلات إلى أن التغيرات المنتظرة لن تكون عميقة، ويرجع ذلك إلى سببين، الأول: أن انتخاب وجه سياسي جديد لا يعدُّ كافياً لإحداث تغيرات واسعة في السياسة الخارجية، خاصة أن هناك ثوابت وأبعاداً إستراتيجية توظف جميعها لتحقيق المصالح العليا، والسبب الثاني: أنه رغم الخصوصية الفرنسية لجهة تأكيد علاقتها مع دول العالم، إلا أن الرئيس المنتخب سيتحرك ضمن الفضاء الأوروبي، ومعنى ذلك أن قرارته ستكون جزءاً من مواقف الاتحاد الأوروبي، أو على الأقل غير متناقضة معها. بالنسبة لنا - نحن العرب - تهمُّنا مواقفه من قضايانا الأساسية الراهنة، وما أكثرها حالياً، منها على سبيل المثال: القضية الفلسطينيَّة، والإرهاب، والحرب السورية، والأزمة ليبيا، وأيضاً علاقة فرنسا المستقبلية مع إيران. فبالنسبة للقضية الفلسطينيَّة، أعلن ماكرون خلال حملته الانتخابية عن دعمه لفكرة الدولتين، لكن هذا الرأي قد لا يُعمَّر طويلاً في المستقبل المنظور، انطلاقاً من ميراث سلفه فرانسوا أولاند، الذي نظَّم مؤتمراً حول الشرق الأوسط ولم يُحقَّق أيَّ نتائج تذكر، وقدم أيضاً مبادرة من قبل تجاه الفلسطينيين، إلا أنه فشل، في حين من المنتظر أن يقدم «ماكرون» خطة عمليَّة لمحاربة الإرهاب، تلتقي مع مواقف الدول العربية وخططها لمواجهة الإرهاب، خاصة أنه ربط الإرهاب بالأفراد والجماعات، ولم يحمل نتائجه الدموية إلى الدين الإسلامي. وبالنسبة للحرب في سوريا، فإنه سيكون لباريس تحت قيادته حضور، طبقاً لما يتطلبه الدور الفرنسي التاريخي هناك، وما تقتضيه المصالح الحالية، لفكرة استعمال القوة العسكرية من أجل توقيف الحرب هناك، على أن يكون ذلك تحت مظلة الأمم المتحدة، كما سيعمل ماكرون على استعادة الدور الفرنسي في ليبيا، ولن يكتفي بالنشاط الأمني والتدخل العسكري، وإنْ كان مضطراً للتنسيق مع دول الجوار الليبي، خاصة الجزائر، وإن كانت هذه الأخيرة تصر على رفض أيّ تدخل خارجي في الشأن الليبي. ويبدو الموقف من إيران أكثر المسائل غموضاً بالنسبة للرئيس «ماكرون»، حيث لم يركز عليه خلال حملته الانتخابية، وفي نظر المراقبين لا يبدو موقف «ماكرون» تجاه إيران والاتفاق النووي الذي شاركت فيه فرنسا، مختلفاً عن موقف سلفه فرانسوا أولاند، لجهة الدعوة إلى اتباع سياسة أكثر توازناً مع إيران، بعيداً عن إثارة التوتر مع البلد الذي يقلق الغرب، أما ما تقوم به إيران في المنطقة العربية، فلن يكون محل اهتمامه، مهما كانت مصالح فرنسا مع الدول العربية بما في ذلك دول الخليج العربي. ومهما يكن حماس الرئيس «ماكرون» للتغيير، فلا ينتظر منه حدوث ذلك على نطاق واسع، وما سيقوم به سيكون أقرب إلى التكتيك منه إلى الإستراتيجية، ذلك لأن فرنسا فقدت دورها الخاص والمتميز الذي كانت تتمتَّع به في السابق، فأيديها مربوطة بالسياسة الأوروبية، وسيزيدها «ماكرون» قيوداً نتيجة قناعته بأهمية ودور الاتحاد الأوروبي، وبناءً عليه فإن سياسة فرنسا بقياد «ماكرون» تجاه الشرق الأوسط لن تتغير، وعلى العرب منفردين ومجتمعين أن يدركوا هذا، حتى لا تخيب آمالنا، مثلما خابت في الماضي القريب مع قادة سابقين، أوروبيين وأميركيين.