دخل اتفاق «مناطق خفض التوتر» في سوريا حيز التنفيذ بحلول منتصف ليل الجمعة السبت الماضي، بعد أن وقعت روسيا وإيران وتركيا في أستانا على مذكرة تفاهم بشأن إقامة أربع مناطق لخفض التوتر في سوريا، أو مناطق آمنة كما سميت إعلامياً، وانسحب وفد المعارضة السورية المسلحة من المحادثات، وأكد أنه لا يستطيع قبول إقامة مناطق آمنة في سوريا لأن ذلك يهدد وحدة أراضيها، كما اعترض على مشاركة إيران في هذا الاتفاق واعتبارها دولة محتلة، ويجب أن تسحب مليشياتها من سوريا. وسيتم حسب الاتفاق، إنشاء أربع مناطق لتخفيف التوتر، وهي محافظة إدلب وأجزاء من المحافظات المجاورة (اللاذقية وحماة وحلب). مناطق من شمال محافظة حمص، الغوطة الشرقية. ومناطق من جنوبي سوريا (محافظتي درعا والقنيطرة)، حيث من المقرر أن يتوقف القتال والقصف في هذه المناطق. ويهدف الاتفاق إلى تجميد الصراع، وتوفير إمكانية لإغاثة الشعب السوري الذي يتعرّض للعنف والتجويع على مدى السنوات السبع الماضية، كما أن انخفاض العنف يمكن أن يسهم في إطلاق مفاوضات أكثر جدية حول مستقبل سوريا. وينظر للاتفاق على أنه مفخخ بالمواقف والمصالح المتناقضة، لقوى عديدة، محلية وإقليمية ودولية، إذ يسود الغموض الرؤية الروسية لمفهوم وآليات تحقيق مناطق «خفض التوتر»، حيث تتضمن وجهة النظر الروسية ضبطاً للأعمال القتالية بين الأطراف المتنازعة، ما يعني ضمناً وقفاً لإطلاق النار في هذه المناطق، ووقفاً لتحليق الطيران العسكري، لكن الرئيس الروسي في تصريح له اشترط «ألا يسجَّل أي نشاط عسكري في تلك المناطق»، وأن لا يعني ذلك الكف عن محاربة بعض التنظيمات المصنفة إرهابية. وأوضح أن محاربة التنظيمات الإرهابية، مثل «داعش» و«فتح الشام» ستتواصل حتى مع إقرار هذه المناطق. وتختلف الصيغة التي طرحتها روسيا للمناطق الآمنة عن الصيغة المتعارف عليها، وفق القانون الدولي، والتي ظلت لسنوات محل نقاش وجدل دوليين بين طرح المعارضة السورية لمناطق آمنة، والطرح التركي الذي يتوافق في صيغته مع طرح المعارضة لمناطق آمنة في الحدود السورية أو للمناطق العازلة، وهي صيغ تتطلب موافقة من مجلس الأمن وقراراً بفرض حظر للطيران الجوي، ووجود قوات مجهزة على الأرض لمنع الاعتداء على المدنيين، بينما لا تقتضي الصيغة الروسية في إقامة مناطق لخفض التوتر، موافقة دولية أو قوات عسكرية منتشرة، إذ أعلن المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، رئيس الوفد الروسي إلى مفاوضات أستانا، ألكسندر لافرينتييف، أن الدول الضامنة لوقف إطلاق النار في سوريا ستحيط مجلس الأمن الدولي علماً بشأن إنشاء مناطق تخفيف التصعيد في سوريا، مشيراً إلى أن ذلك لا يتطلب موافقة المجلس. كما قال لافرنتييف إن عمل طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في مناطق تخفيف التصعيد بسوريا مستبعد، وإن الدول الضامنة ستراقب العمليات كافة في هذا المجال. وتمثل صيغة مناطق خفض التوتر نسخة مطورة وموسعة ومحددة جغرافياً من مناطق «وقف إطلاق النار» التي يتم التوافق عليها بين أطراف النزاع الحربي، ما يؤدي إلى تعليق العمليات القتالية ويؤسس لاستتباب الأمن تمهيداً لوصول المساعدات الإنسانية وإجلاء الجرحى من جبهات القتال، ويوقف الحرب تمهيداً للتسوية السلمية. ورغم حالة التفاؤل الحذر التي سادت عقب الإعلان عن توقيع اتفاق التهدئة، والذي جاء لأول مرة بضمانة ثلاث دول فاعلة على الأرض، هي روسيا وإيران وتركيا. وأظهر الاتفاق براعة الجانب الروسي في تقديم صيغة تتوافق عليها دول الجوار واللاعبين الإقليميين والأسرة الدولية. فنجاح روسيا في الحصول على مواقف دولية وأميركية داعمة لاتفاق خفض التوتر، يؤشر إلى مرحلة جديدة تضع نهاية فعلية للحرب السورية.