في مقال نشرته «الغارديان» البريطانية الأسبوع الماضي، وضع المؤرخ والمحلل السياسي الأميركي توماس فرانك تعريفاً لما يسمى «أيديولوجية دافوس النيّرة» التي ينادي بها الحزب الديمقراطي الأميركي، ووصفها بأنها كانت مصدر القوة التي أدت إلى صعود نجم دونالد ترامب من جهة، وإلى إصابة بلدات منطقة الغرب الأوسط الأميركي الصناعية باليأس والقنوط، من جهة أخرى. على أن التصور الذي يفيد بأن الديمقراطيين لا يملكون إلا القليل فحسب مما يمكنهم تقديمه للطبقة العاملة، ليس مقصوراً على ما يقوله فرانك. فقد سبقه إلى ذلك «جريج سيرجنت» المحرر في «واشنطن بوست» الذي تحدث مع متخصصي استطلاعات الرأي في الحزب الديمقراطي وخبراء مراكز البحوث حول نتائج استطلاعاتهم وتحليلاتهم المتعلقة بمواقف ناخبي الطبقة العاملة، بمن فيهم أولئك الذين تحولوا من موقف التأييد لباراك أوباما في الانتخابات الرئاسية لعام 2012، إلى تأييد دونالد ترامب في انتخابات عام 2016. وتوصل «سيرجنت» إلى الخلاصة التالية: «قالت نسبة كبيرة من الناخبين المنقسمين بين أوباما وترامب إن السياسات الاقتصادية للديمقراطيين تصب في صالح الأغنياء. وتجاوزت نسبة من يأخذون بهذا الرأي ضعف نسبة من يعتقدون أن ترامب هو الذي يعمل لصالح الأغنياء». وفي حقيقة الأمر، وعبر سياسات تتراوح بين إلغاء أو تعديل قانون الرعاية الصحية «أوباماكير» وحتى إعادة النظر في قانون الضرائب، فإن إدارة ترامب تعمل على تحقيق مداخيل جديدة ضخمة ربما يصل مجموعها إلى 5 تريليونات دولار أو أكثر خلال عقد واحد، إلا أنها ستأتي من جيوب الطبقتين الفقيرة والعاملة لتصب في جيوب أكثر الأميركيين ثراء. وعلى العكس من ذلك، اقترحت هيلاري كلينتون في عام 2016 مجموعة من السياسات التي تتخذ اتجاهاً مخالفاً بحيث ترفع معدل الضرائب على الأثرياء من أجل تمويل البرامج التي تصب في فائدة الطبقتين المتوسطة والفقيرة. ولم يكن أوباما وحلفاؤه الديمقراطيون في الكونجرس يفتقرون للأفكار التي تهدف لحماية ذوي المداخيل الضعيفة أو لتنشيط القطاعات الاقتصادية المختلفة. وقد سعوا لإعادة توجيه الصناعة الضخمة للرعاية الصحية إلى قطاع يمكن احتواء تكاليفه. وعلى رغم النتائج التعيسة التي تحققت في هذا المجال، فإن برنامج «أوباماكير» بحد ذاته كان يصب في مصلحة الأميركيين الفقراء وذوي الدخل المتوسط. وهم أيضاً الذين عرضوا صناعة السيارات والصناعات المكملة لها للأخطار، وسارعوا إلى تحفيز وتشجيع الصناعات المتعلقة باستغلال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ولم تنجح كل هذه المساعي في إعادة إحياء البلدات الصناعية التي كانت تقترب من الموت اقتصادياً. ولم تكن لدى الديمقراطيين خطط جاهزة للتنفيذ لرفع معدلات أجور ذوي الياقات الزرقاء. على أن التصوّر الذي يقضي بأن «الاتفاقيات التجارية القذرة» هي المسؤولة عن تبخّر أحلام الطبقة العاملة بتحسين أوضاعها، أصبح يمثل العامل المشترك للخطاب السياسي لكل من ترامب وبيرني ساندرز. وهما يعتقدان أن التجارة كائن مرن وشرّير يبلغ من القدرة على الإيذاء ما يكفي لتوجيه ضربات موجعة للقوة العاملة التي نشأت في بيئة للتنافس العالمي تغلب عليها نتائج وتأثيرات الأتمتة والميكنة. وخلال ندوة حوارية التأمت الأسبوع الماضي في جامعة مدينة نيويورك تحت شعار «التجارة والوظائف وعدم المساواة»، شارك فيها اقتصاديون كبار، لم يوافق أي من المشاركين على الآراء التي طلع بها ترامب وساندرز فيما يتعلق بهذا الموضوع. وفي رسالة وجهها إلى عبر البريد الإلكتروني، قال الاقتصادي المشارك ديفيد أوتور من معهد ماساشوسيتس التكنولوجي: «لا، أبداً. التجارة القذرة ليست هي السبب الأول، بل إنها هي التي سمحت للصين بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001. وقد مثل ذلك صدمة قوية لقطاع التصنيع في الولايات المتحدة. ولا يتعلق الأمر باتفاقية تجارية حقيقية. ولم يكن تجنب هذا التحوّل ممكناً لأنه جاء نتيجة التطور الصيني المثير للإعجاب». وقد أشار مشارك آخر هو الاقتصادي «برادفورد ديلونج» من جامعة كاليفورنيا في بيركلي إلى أن التطور التكنولوجي كان يخفض بشكل سريع نسبة مشاركة العمالة الأميركية في قطاع التصنيع خلال نصف القرن الماضي قبل حدوث الصدمة الصينية. وقال لي: «كان من المفترض أن تؤدي اتفاقية أميركا الشمالية للتجارة الحرة NAFTA إلى إصابة صناعة السيارات الأميركية بضرر كبير، إلا أن هذا لم يحدث، بل إن صناعة السيارات رحبت بها». ولم يعد من المهم الآن البحث عما إذا كانت الأتمتة أو العولمة أو التأثيرات المشتركة لهما هي السبب في هذا الخطأ الذي حدث. بل إن المهم أكثر هو الانتباه إلى أن السياسات الأميركية أثبتت عجزها عن تخفيف الضرر الناتج عنه، وهذا ما ساعد على فتح أبواب السلطة أمام دونالد ترامب. ----------------- فرانسيس ويلكينسون* * كاتب أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»