أثناء فترة مربكة ومقلقة في آن، جاء رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى واشنطن، للالتقاء مع الرئيس دونالد ترامب. وكما هو الحال مع معظم الحالات، كان من الصعب التنبؤ بأفعال ترامب فيما يتعلق بمعالجة قضية الشرق الأوسط. فخلال حملته الانتخابية، لم يكتف فقط بإغفال ذكر أي شيء عن «حل الدولتين»، وإنما بادر شخصياً بانتقاد الرئيس السابق باراك أوباما لتخليه عن إسرائيل في الأمم المتحدة، ووعد بأنه سيكون «أكثر الرؤساء الأميركيين تأييداً لإسرائيل في التاريخ»! ولم يكتف ترامب بذلك بل تعهد بأنه في حالة انتخابة سيقوم على الفور بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب للقدس، وعدم الضغط على إسرائيل إطلاقاً لإيقاف توسعها الاستيطاني. ولكن في فترة أحدث، بدأ ترامب يرسل إشارات مختلفة إلى حد ما. فهو يتحدث الآن بثقة عن طموحه في تحقيق «صفقة كبرى»، تحقق السلام في الشرق الأوسط. وعلى رغم أنه لم يوضح عناصر خطته، لتحقيق هذه «الصفقة الكبرى» حتى الآن، إلا أن تلك الخطة، على ما يبدو، تتضمن البدء مجدداً في محادثات سلام فلسطينية- إسرائيلية، مع بذل جهد، في الآن ذاته، لتحقيق درجة ما من التعاون الإقليمي بين إسرائيل وبعض حلفاء الولايات المتحدة. وثقة ترامب الجسورة، والتغيير الواضح في لهجته، وشخصيته المتقلبة، وضعت الفلسطينيين في وضع حرج. فهم، من ناحية، في حاجة ماسة إلى دعم من قبل الولايات المتحدة في النواحي السياسية والمالية، ولكنهم من ناحية أخرى، يبدون أيضاً قلقين، أو غير قادرين على فهم آراء ترامب ومساعديه بوضوح. وقد حاول عباس أن يحقق أقصى فائدة ممكنة من وضع صعب، من خلال مجاملة ترامب دبلوماسياً، والتعبير عن ثقته في قدراته، ووصف رئاسته بأنها تمثل «فرصة تاريخية» لتحويل السلام إلى حقيقة. أما القادة العرب، فقد أعربوا، مرة أخرى، عن التزامهم بمبادرة السلام العربية، التي تنص على تطبيع العلاقات مع إسرائيل بعد انسحابها من الأراضي التي احتلتها بعد عام 1967، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين، ولكن الإسرائيليين رفضوا بإصرار النظر في البنود الأساسية التي تضمنتها هذه المبادرة. والأحاديث التي تتردد في كل من واشنطن وإسرائيل في الوقت الراهن، تدور عن محاولة ترامب الالتفاف على هذا المأزق، من خلال اقتراح مسارين متوازيين: الأول يتضمن إجراء مباحثات فلسطينية- إسرائيلية من دون شروط مسبقة. والثاني، العمل على التقريب بين إسرائيل والدول العربية، لمناقشة شروط التعاون الإقليمي. وإذا كانت هذه هي العملية التي ستتم حقاً، فإنها تنصب شركين خطيرين للفلسطينيين والعرب على حد سواء. فالولايات المتحدة وإسرائيل ربما تريدان مظهر «عملية سلام» من أجل توفير غطاء للجهود الرامية لخلق تعاون إسرائيلي عربي، لمحاربة التطرف وإيران. ولكن الخطر بالنسبة للفلسطينيين واضح. فهم ساروا على هذا الطريق من قبل، وأدركوا أن العملية باختصار عبارة عن مباحثات لا تنتهي، ولا تؤدي إلى نتيجة في نهاية المطاف. والخطر الذي يمكن أن يحيق بالعرب واضح هو الآخر: فحتى مظهر العلاقات المُطبّعة مع إسرائيل على حساب الفلسطينيين، لن يؤدي سوى إلى تأجيج التطرف، مع تقديم هدية دعائية مجانية للإيرانيين من جانب آخر. ونظراً لأن الفلسطينيين والعرب يعلمون هذه المخاطر جيداً، فإن أي مقترح يؤدي إلى إهدار مبادرة السلام العربية، لا يمكن أن يمثل بداية جيدة بحال. وفي الوقت نفسه، نجد أن مراكز الأبحاث المتنوعة في واشنطن التي تمتلئ في الوقت الراهن بعدد من المفاوضين السابقين والفاشلين في الشرق الأوسط، مشغولة بتقديم نصائح للإدارة الجديدة، تثبت أن هؤلاء المفاوضين السابقين، لم يتعلموا شيئاً من تجاربهم في المنطقة. فهم، على سبيل المثال، ما زالوا يقترحون تحقيق تحسينات محدودة على «نوعية الحياة» الخاصة بالفلسطينيين، مما يجبر السلطة الفلسطينية على التخلي عن «مطالبها غير الواقعية» بشأن المستوطنات، والقدس، واللاجئين، مع محاولة إثبات أن الدول العربية يمكن تتجاهل الفلسطينيين وهي في طريقها لتأسيس علاقات مع إسرائيل، لخلق جبهة موحدة ضد إيران والإرهاب. وهذه المقترحات لم ينجح أي منها في الماضي، ولن ينجح كذلك في المستقبل. وفي الوقت ذاته، تمضي إسرائيل قدماً في تنفيذ سياستها الخاصة بالتوسع الاستيطاني، غير آبهة بأحد. وإذا كان ترامب جاداً بشأن كبح التصرفات الإسرائيلية (وليست هناك أدلة على أنه يفعل ذلك) فإنه يتعين عليه الانتقال من مرحلة اللوم الخفيف إلى مرحلة قرقعة السوط في الهواء.. ولكن هذا لن يحدث لأن الكونجرس ما زال يلعب دوراً حيوياً، في تشذيب أي شيء يريد أي رئيس أن يقوم به. وأولئك الذين يعتقدون أن الرئيس قادر على السيطرة على الكونجرس، يحتاجون إلى إلقاء نظرة على عدم قدرته على تمرير أجندته الخاصة عبر لجانه المختلفة. ولذلك، فإنني على رغم تفهمي حاجة عباس إلى تجنب مجافاة الرئيس الأميركي، فإنني لا أشعر بالثقة، ولا بالتفاؤل، في أننا سنرى أي تحرك حقيقة نحو التوصل إلى سلام عادل.