على مدار قرون، ظلت الهند مجتمعاً متعدد الثقافات عاش فيه الناس من جميع الديانات واللغات والعرقيات معاً في وئام، مما أوجد مجتمعاً متسامحاً، ورغم خرق قاعدة التعايش السلمي هذه من حين إلى آخر، لكن المجتمع استطاع التغلب على عدم التسامح لتواصل الهند وجودها كمجتمع متعدد العقائد والأعراق واللغات. ومن المعروف أن البقرة كائن مقدس لدى الغالبية الهندوسية، ولطالما انتشرت جماعات حماية الأبقار في أنحاء الهند، لكن خلال الآونة الأخيرة، أصبحت جماعات الحماية تلك أكثر حماساً وجرأة بعد انتصار حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم الذي يضرب بجذوره في القومية الهندوسية، وذبح الأبقار محظور في 21 من 29 ولاية هندية، لكن لحم الأبقار ليس محظوراً في البنغال وكيرالا وست ولايات أخرى في شمال شرق الهند لأنه يجري استهلاك لحومها تقليدياً حتى من الغالبية الهندوسية في هذه الولايات، لكن الظهور المفاجئ لجماعات مراقبة حماية الأبقار الذين يتولون بأنفسهم تنفيذ القانون بدأت تثير قلق المجتمع الهندي، فقد قطع أشخاص مشاغبون يطلقون على أنفسهم حماة الأبقار الطريق على عدد كبير من الناس الذين ينقلون أبقاراً أو حتى جاموساً لأغراض تربيتها والحصول على ألبانها وقتلوهم في عدد من الولايات الهندية، ورغم أن الشرطة أقامت دعاوى ضد بعض هؤلاء المشاغبين في حالات مثل هذه، لكن لم يتم اتخاذ خطوات ملموسة حتى الآن لكبح الأنشطة العنيفة لحماة الأبقار.. هؤلاء الذين يعملون من تلقاء أنفسهم. واختيار «يوغي أداتياناث»، وهو من أشد دعاة حماية الأبقار في منصب رئيس وزراء ولاية «أوتاربراديش، » أكبر ولايات الهند، دفع بقضية حماية الأبقار إلى واجهة السياسة، وبعد أداء اليمين قبل أسبوعين، كان من بين أول الإجراءات التي اتخذها «أداتياناث» أنه أعلن حملة على المجازر غير القانونية مع الوعد بحماية الأبقار، وتسبب الإجراء في حالة من الفوضى، وظهرت تقارير تتحدث عن أنه حتى المجازر القانونية ومتاجر بيع اللحوم قد أغلقت بسبب تفاصيل فنية، مما تسبب في نقص كل أنواع اللحوم في الولاية وخارجها، ورغم أن حكومة «أداتياناث» قد صرحت أنها تطبق القانون فحسب، لكن تأثير هذه الحملة كان أوسع وأبعد مدى، والواقع أن الهند تصدر كل عام ما تبلغ قيمته أربعة مليارات دولار من لحوم الجاموس التي تعتبر من لحوم الأبقار أيضاً، وهذه الصناعة يعمل فيها نحو 2.5 مليون شخص وما يزيد على 60% من لحوم الصادرات هذه يأتي من هذه الولاية ذاتها وصناعة الجلود في البلاد تعتمد تماماً عليها. والهندوس يمثلون نحو 80% من سكان الهند وهؤلاء يقدسون الأبقار وغالبيتهم وخاصة في شمال الهند لا يأكلون لحوم الأبقار، لكن بعض الطبقات الهندوسية ومن بينهم طبقة «داليت» أو «المنبوذون» يأكلون لحوم الأبقار، وهذا لأن هذه الطبقة ما زالت من أفقر الطبقات في الهند، ولذا يتناولون لحوم الأبقار لأنها أرخص اللحوم الحمراء المتاحة في البلاد، ومنذ أن جاء رئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندرا مودي إلى السلطة عام 2014، والولايات التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا دأبت على تشديد القواعد الخاصة بحماية الأبقار، والعام الماضي حظرت ولاية هاريانا التي يحكمها بهاراتيا جاناتا بيع لحوم الأبقار في أي صورة واقترحت فرض عقوبة السجن عشر سنوات على من ينتهك الحظر، وحظرت ولاية مهاراشترا هذا العام ذبح كل أنواع الماشية ومنها الثيران كما حظرت نقل الأبقار خارج الولاية، وولاية جوجارات التي يدلي فيها الناخبون بأصواتهم في الشهور القليلة المقبلة، أصلحت قوانينها في الآونة الأخيرة لتشديد العقوبة على من يثبت ضلوعهم في ذبح الثيران والأبقار لتقضي عليهم بالسجن من سبعة أعوام إلى السجن المؤبد وعززت أيضاً العقوبة على نقل الأبقار من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات. ورغم أن أعمال جماعات حماية الأبقار تعرضت لانتقادات من جماعات مختلفة فهذه الانتقادات لم تنل منها شيئاً، ورغم أن مودي انتقد بشدة عنف هذه الجماعات، فلم يتخذ إجراءات ملموسة لكبح هذه الجماعات ومنعها من اضطلاعها بتنفيذ القانون بنفسها، وهذه الجماعات تستهدف المسلمين، فيما يبدو، باعتبارهم الأشخاص الذين يهيمنون على تجارة اللحوم رغم أن الهندوس ضالعون أيضاً في هذا النشاط بشكل كبير، وهذه الجماعات يتزايد نشاطها حالياً، وتراقب الشاحنات عند الحدود بين الولايات، بل وتعترض الشاحنات التي تشتبه في أنها تنقل أبقاراً. وأنشطتهم تحتاج بوضوح إلى كبح لأنهم ينشرون الخوف وسط رجال الأعمال الشرعيين. وفي أحدث تطور، حثت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، التابعة للأمم المتحدة الهند على التحقيق مع «حماة الأبقار» هؤلاء ومقاضاتهم عن هجومهم على الأقليات والطوائف الأدنى من الهندوس بناء على مجرد إشاعات عن بيع أو شراء أو ذبح الأبقار من أجل لحومها، ولذا يتعين على وكالات تنفيذ القانون في الهند التصدي على الفور لهذه الجماعات، لأن المخاوف من هذه الأنشطة غير المشروعة لم تعبر عنها جماعات قومية فحسب، بل جماعات دولية أيضاً. د. ذِكْرُ الرحمن* *رئيس مركز الدراسات الإسلامية في نيودلهي