خلال الأسبوع الماضي، انشغلت الدوائر الإعلامية والسياسية بنشر تقديراتها المتعلقة بمستوى النجاح الذي حققه الرئيس دونالد ترامب خلال مئة يوم الأولى لوجوده في البيت الأبيض. وجاءت التقديرات متفاوتة ومتضاربة. ورغم أن معظم النقاد المعارضين له يتفقون على أن الأمور أصبحت أسوأ مما كانت عليه، فإن النظام السياسي الأميركي تمكن من ضبط الأمور وإعادة التوازن، وخاصة بعد الرفض المؤقت للمحاكم الفيدرالية للأوامر التنفيذية التي وقعها ترامب والمتعلقة بتقييد الهجرة. وإلى ذلك فقد فشل «الجمهوريين» في إلغاء أو تعديل قانون الرعاية الصحية الميسرة. ويرى الكثيرون أن الميزانية والخطط الضريبية التي اقترحها ترامب تّعدّ بمثابة الهدية المقدمة منه لكبار أصحاب الثروة الأميركيين لو تم تنفيذها. وفي السياسة الخارجية، كسب تأييداً واسعاً بضربته الصاروخية ضد سوريا، وبتراجعه عن مواقفه المؤيدة لروسيا والرئيس بوتين. ويبدو وكأنه نجح في إقامة علاقة عمل جيدة مع الرئيس الصيني «تشي جينبينج» على أمل أن يحظى بمساعدته في نزع فتيل الأزمة الكورية. ويحظى ترامب بتأييد عدد من دول الشرق الأوسط. إلا أن علاقاته مع أقرب حلفاء أميركا، أوروبا وكندا والمكسيك، لا زال يشوبها الفتور وعدم الوضوح. وربما كان من أفضل المؤشرات المشجعة في سياسته، أنه عمد إلى تعيين فريق قوي للأمن الوطني. ونجح أيضاً في الفوز بتأييد مجلس الشيوخ لتسمية نيل جورسوتش في المحكمة العليا. وكتب ترامب بقلمه مقالة نشرها في عدد 30 أبريل من صحيفة «واشنطن بوست»، وجه من خلالها الشكر لنفسه على الجهود التي بذلها، وقال: «خلال مئة يوم الأولى، أوفيت بوعدي الذي قطعته للأميركيين». وكان يكتب بحماس حول قراره بإلغاء اتفاقية «الشراكة عبر الهادئ»، وهي اتفاقية تجارية بين 12 دولة، وقد تطابق موقفه بشأنها مع موقف منافسته في الانتخابات الرئاسية هيلاري كلينتون، لأن من شأنها أن تقضي على ملايين فرص العمل للأميركيين لصالح الدول الأخرى. وقال: «في صلب أجندتنا الاقتصادية، اخترنا الطريق الأكثر صعوبة عبر التاريخ لإلغاء القوانين التي تقضي على فرص العمل». وأضاف: «وفي مجال الطاقة، أصبحت التغيرات واعدة بعد أن عمدنا إلى إلغاء القيود المتعلقة بإنتاج النفط والغاز الطبيعي والفحم النظيف». وبدا الرئيس فخوراً بشكل خاص بقراره القاضي بزيادة الإنفاق العسكري وإقناع أعضاء حلف «الناتو» بالإنفاق أكثر على الدفاع. وظهر أقل حماساً في الدفاع عن الأولوية رقم واحد التي أكثر الحديث عنها خلال حملته الانتخابية، وتتعلق ببناء الجدار الضخم على طول الحدود مع المكسيك والذي أكد بشأنه على أن المكسيك هي التي ستتحمل تكاليفه. ولم نشهد أي توجّه حقيقي لبناء الجدار، لكننا سمعنا كبار المسؤولين المكسيكيين يؤكدون أنهم لن يدفعوا شيئاً من تكاليف بناء الجدار مهما كانت الظروف. وتكمن المشكلة القائمة بين منتقدي ومؤيدي ترامب في أن تقييم أداء إدارته خلال مئة يوم الأولى كان اعتباطياً، ولا يعتمد على أسس منطقية للحكم لا على الفترة الأولى، ولا على الأداء المقبل لأي إدارة. ومن الناحية التاريخية، يعود الانشغال بتحليل إنجازات مئة يوم الأولى للرئاسة الجديدة التي تشغل البيت الأبيض، إلى أيام إدارة الرئيس فرانكلن روزفلت (الرئيس 32) عام 1933 عندما تم تمرير عدد كبير من مشاريع القوانين التي تهدف إلى إعادة تنشيط الاقتصاد في خضم أزمة «الركود العظيم» الذي ضرب العالم. ومنذ ذلك الوقت، أصبح كل رئيس منتخب جديد يخضع لمثل هذا التقييم بعد انقضاء 100 يوم على ولايته الأولى، ولم يستثن من هذا الشرط إلا الرؤساء غير المنتخبين من أمثال: هاري ترومان (الذي حل محل روزفلت بعد وفاته عام 1945)، وليندون جونسون (الذي حل محل جون كنيدي عقب اغتياله عام 1963)، وجيرالد فورد (الذي حل محل ريتشارد نيكسون بعد استقالته على خلفية فضيحة ووترجيت عام 1972). وكان يتم الحكم على إنجازات هؤلاء الرؤساء خلال أيام مئة الأولى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أي رئيس جديد يحظى في بداية الأمر بفترة «شهر عسل» مع الكونجرس. وهذا ما لم يحدث في حالة الرئيس ترامب. ومنذ الأيام الأولى لدخوله البيت الأبيض وجدت إدارته صعوبات كبيرة في التعامل مع الكونجرس رغم أن «الجمهوريين» يمثلون الأغلبية في مجلسيه. ويعود سبب ذلك أساساً إلى طبيعة الصعوبات التي واجهها في مجال تجميع وتعيين أعضاء إدارته. ويرى مؤيدوه أنه بسبب عدم توقعه الفوز بالانتخابات الرئاسية، لم يكن يعير مسألة وضع استراتيجية انتقالية لإدارة البيت الأبيض أي اهتمام أثناء حملته الانتخابية. وأنا أرى أن هذا الافتراض صحيح رغم أنه يتجاهل الحقيقة القائلة بأن ترامب ربما كان الرئيس الأقل استعداداً لاستلام منصب الرجل الذي يدير دولة عظمى. وقد اعترف مؤخراً بأن الحكم بدا له أكثر صعوبة بكثير مما كان يتصور. والأمل معقود الآن على أن ينحو ترامب منحى الهدوء والاستقرار، وأن يلتزم سلوك القائد المتميز بالجدّية، وأن يقلل من اتخاذ القرارات المتسرعة بما فيها تلك التي يطلقها عبر تغريداته الكثيرة على موقع «تويتر».