لا يمثل التفاعل التبادلي بين الثقافات رديفاً للحوار بين الثقافات، وإنما هو خطوة أساسية في البناء لتفاعل يذكر بين الثقافات، حيث يؤمن البعض أن النوايا الحسنة والمبادرات العملاقة والملتقيات والمؤتمرات والمنتديات والمراكز والمؤسسات التي تحمل أسماء رنانة والدعم المالي الكبير هي أمور كفيلة بتحقيق النجاح في سباق تقارب وتقريب وجهات النظر والمضامين والمفاهيم، التي تعود بالنفع على تقصير مسافات القبول والتسامح والتعامل المتكافئ بين الحضارات من خلال حوار إيجابي بين الثقافات، وأرى أنها أدوات جيدة ضمن منظومة غير مكتملة، ولذلك ستبقى فعالة إعلامياً فقط. وحتى نكون طرفاً فاعلاً في حوار الثقافات يجب أن نتشرب ونتقن مفهوم كفاءة التفاعل بين أو عبر الثقافات، وهي مرتبطة بالقدرة على التواصل الناجح بين أبناء ثقافات مختلفة على مستوى القاع قبل القمة واستيعاب مفاهيم الثقافة المحددة المتعلقة بالإدراك الحسي وطريقة التفكير والأحاسيس والتصرف وعدم إخضاع شروط أو مقدمات الحوار لخصوصية ومعطيات ثقافة دون سواها، فهناك مكونات متغيرة وثابتة تمثل قيماً إنسانية مشتركة، وبالتالي فإن الحوار بين الثقافات هو دراسة كيف ينظر أعضاء الجماعات الثقافية المختلفة إلى بعضهم بعضاً وما يمثلونه من ثقافة قبل أن ينخرطوا في الحوار. ففي حوار الثقافات لا نصنف الآخر وفق ما نراه حضارياً وأخلاقياً وعادلاً وذا قيمة عالية لنا نحن فقط، بغض النظر عما يعتقد الآخر واحترام وجهة نظره، وليس بالضرورة تبنيها أو قبولها في داخل ثقافاتنا، ولكن القناعة بأنها قيمة تستحق القبول في إطار قبول الآخر بها. فهناك افتراضات وسيناريوهات لا تترجم عبر الحدود الثقافية، وهذه الافتراضات المتباينة بين ثقافتين أو أكثر تحتاج لتواصل مفتوح وغير مسيس لفهم أكثر عمقاً، وهذا ما سهله نوعاً ما عالم الإنترنت أكثر من أي وقت مضى. ومن جانب آخر تبرز معضلة دخول الحكومات كلاعب رئيسي في ذلك الحوار المفتوح بين أفراد الشعوب، مما عقّد سهولة الوصول إلى تلاقٍ عقلي ونفسي بين الأفراد، كون الحكومات وكبرى الشركات العالمية والجماعات ذات الإبعاد السياسية أو الدينية أو الاقتصادية وغيرها خطفت حوار الثقافات أو الحضارات بدلاً من تمهيد الطريق له ووضع الأطر العامة لجعله سلساً، وكفالة حرية أن يكون التبادل الحضاري حراً بالقدر الذي يبرز القوى الناعمة للمجتمعات وتتحول لسياسات يفرضها الواقع والحراك الشعبي، وتكون الدبلوماسية الشعبية بمثابة حوار شعبي عابر للقارات ضمن سياق الفعل الحضاري لتصبح تلك العملية المحرك قبل التوصيات والإجراءات والتشريعات، وذلك لتمكين العامل المؤسسي في المعادلة. فالمؤسسات المختلفة نجحت في حالات كثيرة في تعميم الخطاب وخصخصة منابر ورموز وجهات النظر المعتبرة عبر وسائل التوصل الاجتماعي، في ظل تنامي تأثير نجوم التواصل الاجتماعي في كل ثقافة وتهديد هذا النمط الاجتماعي الإعلامي للعولمة وخطط تأميم الرأي العام العالمي وظهور أبطال جدد لا يوجد لديهم إنجاز واحد يذكر، ولا تهم الشهادات أو الخبرات التي يحملونها، وهم رجال أعمال ناجحون يتاجرون بالكاريزما الخاصة التي يملكونها. فالتطورات تحدث بصورة يومية، والشباب يمثلون الأغلبية في ثقافة معينة، وفي ثقافة أخرى الحكومات تقوم بحملات دعائية تشجع السكان على الإنجاب، وكبار السن يمثلون شريحة كبيرة في المجتمع، مما أحدث شرخاً في توازن الحوار الثقافي على مستوى العالم، وتغيرت قواعد اللعبة في حوار الثقافات وتحويل غير المألوف إلى مألوف وتجسير الفوارق بين الثقافات. فالأوروبي، على سبيل المثال، لا يفقه شيئاً عن المواطن في موريتانيا أو جيبوتي، بل أكاد أن أجزم بأن الأغلبية من مواطني العالم الإسلامي كذلك، وهو واقع يجعلنا نتساءل: من المسؤول عن بناء جسور الألفة الثقافية، وأين هو دور المجتمع المدني في هذا الجانب؟ ومهما صرفت المليارات في محاربة العنف والتطرف والإرهاب وتعزير قيم التسامح، فلن تنجح في معالجة فجوة الحوار المتوازن والتواصل التبادلي بين الشعوب قبل تطور الدوافع والقناعات الذاتية لديها وكيف نسلح الشعوب بثقافة حوار الثقافات. فالإنسان عدو ما يجهل، وحوارات القمة تبقى في القمة وتصبح عناوين للصحف والبرامج التلفزيونية، بينما الشارع يترنح تحت وطأة واقع يعاش، فكيف سنصف الدواء الناجع للتشخيص الخاطئ؟ والأنشطة والفعاليات إنْ لم تنزل للمستوى الشعبي بصورة مستدامة، فإنها لن تحقق الهدف المطلوب، وهذا تحدٍ قائم لا تنفع حياله العروض التقديمية المذهلة والأرقام الإحصائية.