من المؤكد أننا أمام تصرف سياسي ودبلوماسي شديد التطرف تمثله واقعة قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بإصدار قرار بإلغاء الاجتماع الذي كان مقرراً عقده بينه وبين وزير الخاجية الألماني زيجمار جابرييل أثناء زيارته لإسرائيل. سبب قرار الإلغاء هو أن الوزير الألماني كان قد وضع ضمن برنامجه ترتيب للقاء مع منظمتين حقوقيتين إسرائيليتين يكرههما نتنياهو ومعسكر «اليمين» لأنهما تقومان برصد وتسجيل التصرفات العدوانية وغير القانونية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة. الأولى هي منظمة تحمل اسم «نكسر الصمت»، الثانية تحمل اسم «بتسيلم». في تقديري أن نتنياهو من حيث لا يريد قد فضح بهذا التصرف مكنوناته من معتقدات «اليمين» الحاكم، حيث إن قرار إلغاء الاجتماع أوصل للوزير الألماني ولغيره من المسؤولين الأجانب الذين يزورون إسرائيل بل وللعالم كله رسالة شديدة التطرف ليس فقط تجاه حقوق الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال، بل أيضاً تجاه المنظمات والجماعات الإسرائيلية، التي تعارض سياسته القمعية غير المشروعة. أن الفحوى الحقيقية لهذه الرسالة هي: لا تتصرفوا أيها الوزراء الأجانب في بلادنا وهي تحت حكم اليمين على أنها دولة ديمقراطية تسمح للزوار الأجانب بأن يحظوا بفرصة الجلوس مع الحكام ومع المنظمات غير المرضي عنها في نفس الوقت. لقد كان نتنياهو يحاول طوال الوقت تجميل هذه المعتقدات اليمينية المتطرفة، ولكنه فشل هذه المرة، وأفلت منه اللجام تحت ظن أنه يعاقب الوزير الألماني ويرسل تحذيراً للآخرين. كان من الطبيعي أن يتلقى نتنياهو التأييد من وزراء حكومته اليمينيين، الذين يرفضون حل الدولتين ويتعاملون مع الضفة على أنها جزء من إسرائيل، فهم لا يريدون أن تستمر المنظمتان المذكورتان في نشاطهما الذي يعري ممارسات جيش الاحتلال. على الجانب الآخر تعرض نتنياهو بسبب هذا القرار لنقد شديد من جانب قطبي المعارضة الرئيسيين وهما «اسحاق هرتزوج» زعيم المعسكر الصهيوني و«زهافاه جلاؤون» زعيمة حزب «ميرتس». قالت «زهافاه» إن على نتنياهو أن ينتبه إلى أن سبب تعرض سياسات حكومته للانتقادات من جانب دول العالم لا يكمن في هاتين المنظمتين، ولكنه يكمن في سياسات الاستيطان والاحتلال ومن المهم هنا أن نذكر بأن حزب «ميرتس» كان أول الأحزاب الإسرائيلية، التي وافقت في برنامجها الانتخابي على وقف الاستيطان باعتباره يمثل خطراً على إسرائيل، وأقرت حل إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة. أما «هرتزوج» زعيم المعسكر الصهيوني، الذي يعتبر حكومة اليمين مهددة لمصالح إسرائيل فقد عقد اجتماعاً مع الوزير الألماني أدلى بعده بتصريحات هاجم فيها قرار نتنياهو ودعاه للتراجع عنه باعتباره قراراً يسبب ضرراً بالغاً للعلاقات مع دولة تكن صداقة حقيقية لإسرائيل، وراح يشرح درجة الصداقة، التي يكنها الوزير الألماني لدولة إسرائيل ويقدم الأمثلة الدالة عليها ومن بينها تدخل «زيجمار» لدى حكومته لمنح إسرائيل تخفيضاً ضخماً في أسعار الغواصات الألمانية التي اشترتها إسرائيل. لقد تعددت خسائر هذا التصرف المتطرف، ولم يتوقف أثره عند فضح نتنياهو لميوله المتطرفة، فقد سبب أضراراً لإسرائيل في علاقتها بدولة صديقة هي ألمانيا. الأدهى أن القرار قد منح المنظمتين المذكورتين شهرة في ألمانيا وأوروبا والعالم وذلك عندما تناولت وسائل الإعلام الواقعة وأيضاً عندما تحدث الوزير الألماني عن الموضوع على شاشات التلفزيون الألماني معبراً عن أسفه لقرار نتنياهو. *أستاذ الدراسات العبرية بجامعة عين شمس.