يستمر الجشع الإسرائيلي فينهبُ مزيداً من الأراضي ويقتلع مدناً وقرى بأكملها، وما منطقة النقب والمعاناة التي تواجهها إلا مثال واضح على نضالات أهلها في وجه هذا الجشع الإسرائيلي. فمنذ عام 1948، وبشتى الأساليب التعسفية، تمت مصادرة القسم الأكبر من الأراضي الفلسطينية. ولم تكتف الحكومات الإسرائيلية بنهب أراضي اللاجئين الفلسطينيين في الخارج، بل صادرت وما زالت أراضي مَن صمدوا على أرض فلسطين في وجه اعتداءات التنظيمات المسلحة الصهيونية في عام 1948. ومع قيام «دولة إسرائيل»، بدأ الجدل حول مكانة المواطنين الفلسطينيين في «الدولة» الجديدة، حيث نظرت الأغلبية اليهودية إلى الجماهير الفلسطينية العربية باعتبارها جمهوراً مشكوكاً في ولائه، وبالتالي انعكس ذلك سلباً على تطوير الوضع الاقتصادي والسياسي لفلسطينيي 48 وبالتالي خفض مستوى اندماجهم في المجتمع الإسرائيلي. وفي هذه الأيام، يركز فلسطينيو 48 على وقف سياسة مصادرة الأرض وهدم البيوت، بالتوازي مع مساعيهم للعيش بمساواة باعتبارهم مواطنين أصلاء وليسوا درجة ثانية، مع السعي الدؤوب لإعادة حقوقهم المسلوبة. وفي تقرير أصدره مؤخراً مركز «عدالة» القانوني، تم الكشف عن التمييز العنصري الذي تمارسه إسرائيل في سياسة البناء والإسكان. وجاء في التقرير: «خلال عام 2016، نشرت سلطة أراضي إسرائيل مناقصات لبناء 49.903 وحدة سكنية في البلدات اليهودية (لا تشمل المدن المختلطة حيث أعلنت المناقصات لبناء 5528 وحدة سكنية»، علاوة على مناقصات لبناء 4524 وحدة سكنية في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان، مقابل مناقصات لبناء 4151 وحدة سكنية في البلدات العربية (6.4%)! وللمقارنة، فإن عدد السكان في البلدات العربية، أكثر من ضعف سكان «المستوطنات» (1.5 مليون مواطن عربي، قرابة 90% منهم يسكنون في البلدات العربية، مقابل أكثر من 606 آلاف «مستوطن» إسرائيلي). وخلال عام 2016 فقط، نشرت دائرة أراضي إسرائيل «42 مناقصة لبيع أملاك اللاجئين الفلسطينيين»، وهو أمر مُحرّم بموجب القانون الدولي. ومؤخراً، بيّن استطلاع رأي داخل فلسطين 48، أنهم باتوا يولون اهتماماً واسعاً للقضايا الخدماتية ومستوى المعيشة (التربية والتعليم، العمل، الصحة والرفاه.. إلخ). صحيح أن القضايا المطلبية الخدماتية تحتل حيزاً كبيراً في أولويات فلسطينيي 48 لكنها في الأصل تنبع من معاناتهم كفلسطينيين مستهدفين من إسرائيل. ففي ذات الاستطلاع، طالبت نسبة 41% من فلسطينيي 48 بمواجهة التمييز العنصري مما يعكس القلق من تنامي الآبارتايد في إسرائيل. وعليه، فإن مسألة التمسك بالنضال الحقوقي المدني لدى فلسطينيي 48، رغم أهميتها، لا تلغي نضالهم الحقيقي وأنهم جزء من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والشواهد على ذلك كثيرة، على رأسها انتفاضات يوم الأرض السنوية التي تساهم في تعزيز الهوية والكينونة الفلسطينية التي شكلت، وما زالت، الوعاء الحاضن للحقوق والمطالب الوطنية الفلسطينية، باعتبارهم جزءاً أصيلاً من الشعب الفلسطيني، فضلاً عن منح أولوية في تعاطفهم ومساندتهم لإخوانهم فلسطينيي 67، وعلى رأسهم المقدسيون، وكذلك دفاعهم عن أهل قطاع غزة في وجه الحروب الإسرائيلية المتتالية. فلسطينيو 48 يواجهون مجتمعاً إسرائيلياً منزاحاً نحو أقصى اليمين المتطرف، الأمر الذي أفرز أكثر الحكومات تطرفاً في تاريخ إسرائيل، والتي عززت تحت قيادة رئيسها (بنيامين نتنياهو) من قمعها لفلسطينيي 48. وقد ظهرت أبرز تجليات هذا القمع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وإن كانت كلها تتم عن طريق تكريس القانون الإسرائيلي. والحال كذلك، لم يكن غريباً أن تظهر نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه مؤخراً مركز «بيو» في إسرائيل، من «تأييد نحو نصف اليهود في إسرائيل طرد الفلسطينيين من منازلهم وأرضهم داخل (الخط الأخضر)، وتأييد 42% من اليهود للتوسع الاستيطاني في الضفة بما فيها مدينة القدس». وهذا كله جزء من استراتيجية (نتنياهو) وصراعه مع الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى. فهو من حرّض ضد حق فلسطينيي 48 في التصويت بالانتخابات، واتهمهم برفع أعلام «داعش»، وأيضاً بحرق جبل الكرمل! وفي ظل مجتمع وحكومة على هذا النحو، ما زالت تظهر بعض الأصوات الإسرائيلية التي تؤمن بأن سياسة اليمين المتطرف ضد فلسطينيي 48 هي من أخطر ما يواجه الدولة الصهيونية، وأن على الحكومة أن تأمن جانبهم لا أن تعاملهم كالأعداء. فمن جهته، يقول رئيس «الموساد» الأسبق (تامير باردو): «التهديد الوجودي الوحيد الماثل أمام إسرائيل هو الخطر الديموغرافي، إنه أشبه بقنبلة موقوتة تعمل كل الوقت ومنذ فترة طويلة، وقادة إسرائيل اختاروا بصورة غير مألوفة دفن رؤوسهم عميقاً في الرمل، والهروب من الواقع عن طريق اختراع تهديدات خارجية متنوعة». من جانبه، أكد محرر صحيفة «هآرتس» (ألوف بن) أنه «منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 انتقل مركز الصراع مع الفلسطينيين لداخل إسرائيل، وهو صراع على الوعي والرواية. الإسرائيليون يخشون ازدياد قوة فلسطينيي الداخل وعودتهم لروايتهم التاريخية، تذكروا بأن كلمة نكبة لم تتداول تقريباً في الإعلام قبل عشرين سنة». وتابع: «منذ عودة اليمين للحكم بقوة في عام 2009 تكرّس إسرائيل طاقة كبيرة من أجل تكميم الأفواه مستخدمة العصا والجزرة، لكن دون جدوى. نحن اليوم أمام أقلية فلسطينية قوية في إسرائيل وتستطيع أن تقول روايتها ورؤيتها وتوضح أنها ليست جزءاً من الرواية الإسرائيلية وهذا مهم جداً»، بل هو – في رأينا - خطير جداً، وعلى المؤسسة الإسرائيلية إدراك ذلك.