يشير مصطلح «التصحر» في مفهومه الأصلي إلى تدهور في نوعية التربة، تتحول في أثنائه التربة الجافة النسبية إلى أرض قاحلة جدباء، وتفقد معه محتواها من المساحات المائية، وباقي أنواع الكائنات الحية الأخرى من نباتات وحيوانات، وهو ما يجعل التصحر من أهم المشاكل البيئية الدولية، التي لها عواقب بالغة الخطورة. وينتج التصحر جراء عوامل مختلفة كالتغير المناخي، أو فرط إساءة استغلال التربة نتيجة النشاطات البشرية، ورغم أن الظهور التلقائي للمناطق الصحراوية خلال المراحل الجيولوجية المختلفة، يعتبر من الظواهر الطبيعية، فإن ظهور الصحاري نتيجة الاستنزاف المستفحل والمتفشي للعناصر الغذائية الموجودة في التربة، والضرورية لبقائها صالحة للزراعة ونمو النباتات، يوصف ساعتها بأنه حالة «قتل أو وفاة تربة»، والتي يكون المتهم الأول فيها هو الاستغلال البشري السيئ. ورغم أن التصحر في مدلوله العام يُعنى بالأراضي الصلبة أو اليابسة، فقد أصبح يستخدم مؤخراً، لوصف المناطق من البحار والمحيطات، التي أصبحت غير ملائمة أو مناسبة لحياة الكائنات البحرية، نتيجة تدهور الظروف الطبيعية، مثل تلوث الماء، وتلوث القيعان، وباقي الأراضي المحيطة بالبيئة المائية المعنية. وبوجه عام، توجد عوامل ستة تعتبر مسؤولة عن الجزء الأكبر من تحول مساحات شاسعة في البيئات المائية من بحار ومحيطات إلى صحار مائية. أول هذه العوامل وربما أهمها، هو التغير المناخي، وما ينتج عنه من زيادة درجة حرارة الهواء وحرارة ماء البحر، ومن خفض في تركيزات النيتروجين، والفسفور، والأوكسجين، مما يمهد الطريق لتكوين ما يعرف «بالمناطق البحرية الميتة» أو التصحر البحري. العامل الثاني خلف هذا التصحر، هو زيادة حموضة مياه البحار والمحيطات، أو بشكل أدق فقدانها لقلويتها. وتنتج هذه الزيادة في الحموضة أو تراجع القلوية إلى ذوبان غاز ثاني أكسيد الكربون -المسؤول أصلاً عن ظاهرة الاحتباس الحراري والدفء العالمي- في مياه البحار والمحيطات، ومن ثم تكوين حمض الكربونيك. ويكفي لكي ندرك فداحة النشاطات البشرية، وما ينتج عنها من غاز ثاني أكسيد الكربون، والذي يؤدي بدوره إلى زيادة حموضة البحار والمحيطات، أن بين عامي 1750 و1996 ارتفعت حموضة مياه البحر بمقدار 35 في المئة، وهي الزيادة التي تشير التقديرات إلى استمرارها، وتصاعد وتيرتها، إذا لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بخفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، وباقي غازات ظاهرة البيت الزجاجي، وما ينتج عنها من احتباس حراري، ودفء عالمي يؤدي بالتبعية لتغيرات مناخية. وتكمن مشكلة «تحمض» أو زيادة حموضة مياه البحار والمحيطات، في أنها بالتزامن مع تغيرات كيميائية-حيوية أخرى، تزعزع وتهدم، أسس العديد من النظم البيئية الحيوية، وهي النظم التي تعتبر حالياً مصدراً مهماً لأنواع كثيرة من الغذاء المستهلك من قبل أفراد الجنس البشري، ومصدراً مهماً أيضاً لأصناف عدة من السلع والمنتجات التي تشكل جزءاً لا يستهان به من حجم التجارة العالمية. ويعتقد أن تحمض البحار والمحيطات، يتسبب في مدى واسع من التبعات الضارة على أصناف الحياة البحرية، من خلال خفض وتعطيل معدلات العمليات الحيوية أو الأيضية، وتثبيط فاعلية جهاز المناعة في بعض الحالات، وتسببه في الظاهرة المعروفة بتبيض أو تبييض الشعاب المرجانية (Coral Bleaching)، أي فقدانها لألوانها الزاهية، بسبب طرد الطحالب وباقي الكائنات المجهرية التي تحيا بين أنسجة الشعب، وتعتبر مهمة وضرورية لحيوية الشعاب المرجانية. السبب الثالث خلف التصحر البحري، هو مسارات واتجاهات التيارات البحرية، وهو سبب طبيعي تماماً. أما السبب الرابع فيتجسد في التدمير البشري للبيئات البحرية من شعاب مرجانية، أو غابات أشجار القرم، أو مناطق الأعشاب البحرية، من خلال إلقاء الملوثات الكيميائية السامة في مياه البحار والمحيطات، أو استخدام المتفجرات في عمليات الصيد. ويعتبر النمو السكاني والعمراني في المناطق الساحلية هو السبب الخامس، في تكون صحار بحرية في المناطق الشاطئية، نتيجة ما ينتج عن هذه التجمعات العمرانية من ملوثات في الهواء، وفي الماء، وحتى في التربة المحيطة. وبالنظر إلى الأهمية التي تشكلها المسطحات المائية من بحار ومحيطات، كونها مصدراً مهماً لجزء لا يستهان به من السلسلة الغذائية التي يقبع البشر على قمتها، وكونها أيضاً مصدراً للعديد من المصادر الطبيعية والسلع التي تشكل عماد المبادلات التجارية بين العديد من المجتمعات والدول، أصبحت مشكلة تصحر البحار والمحيطات، ونضوب أشكال وأنواع الحياة في مساحات واسعة منها، مشكلة دولية بكل المقاييس، تطال تبعاتها الجميع دون استثناء. وهو ما يتطلب تعاوناً دولياً، بداية على صعيد الأبحاث والدراسات التي تحدد وتتعرف على أسباب تفاقم وانتشار هذه الظاهرة، ثم اتخاذ الإجراءات، وتفعيل التدابير اللازمة للحد من تبعاتها وآثارها السلبية.