العلاقة بين الجزائر والصين تستند إلى الماضي انطلاقاً من التاريخ الثوري المشترك بين الدولتين، وتتفاعل في الحاضر حيث يجمع بينهما الاقتصاد، وتراهن على مستقبل أوسع، تبدو فيه العلاقة وإن كانت في بدايتها متجاوزة تأثير المبادئ والمواقف إلى صلة الرحم والدّم، بعد زواج بعض الجزائريّات بصينيين. الوجود الصيني في الجزائر جديد سواء على مستوى العمالة، أو على مستوى المستثمرين، وقد ظهر جلياًّ بعد العشرية السوداء نتيجة لأمرين، الأول: ارتفاع أسعار النفط، والثاني: حاجة الجزائر إلى التعمير في كل المجالات خاصة في قطاع البناء، بعد دخولها مرحلة الاستقرار، وتوسعت التعاملات التجارية بين الدولتين بعد ذلك، بعد أن أقدمت الحكومة الجزائرية على تدعيم الاستثمارات الصينية الاقتصادية خاصة في مجال صناعة السيارات والأجهزة الإلكترونية كالكمبيوتر والهواتف المحمولة.. إلخ. لا شك أن العلاقات الاقتصادية الجزائرية الصينية، تحوَّلت إلى تعاون استراتيجي، أُسِّس على بعد تاريخي، وهو أيضاً موقف سياسي للصين الشعبية الداعمة لثورة الجزائر معنوياً ومادياً، إلا أنه اليوم اقتصادي بحت، والحضور الصيني في الجزائر اليوم أصبح الأكبر أفريقياً، لدرجة أن مصادر مطلعة قدرت العمالة الصينية في الجزائر اليوم بأكثر من 50 ألف عامل، يتوزعون في عدة محالات تحديداً مجالي البناء والتجارة، وهي أكبر عمالة أجنبية في البلاد من حيث العدد. الصين موجودة بقوة في الجزائر، وآخذة في التمدد عمودياً على مستوى تعاملها مع المؤسسات الحكومية، وأفقياً مع خلال القطاع الخاص من جهة، والتعامل مع المجتمع بشكل مباشر من جهة ثانية، كما أنها تتطلع إلى بناء العديد من المناطق الاقتصادية الحرة في الجزائر ضمن سياستها الاقتصادية التي تتبناها حالياً، بالإضافة إلى تعزيز الشراكة مع الجزائر في المجال الصناعي لأجل إيجاد مشاريع مشتركة في عدة مجالات وجلب مزيد من الاستثمارات الصينية، طبقاً للاتفاقية المعروفة باسم «اتفاقية تعزيز القدرات الإنتاجية بين الجزائر والصين»، وهي تشمل الصناعة التحويلية، واستغلال الموارد، والطاقات (الغاز والنفط)، والصناعة الميكانيكية، وصناعة السكك الحديدية، والحديد والصلب والبنى التحتية/ والصناعة البتروكيمياوية، والطاقات المتجددة والنجاعة في مجال الطاقة، وتحويل المواد المنجمية، والبناء، والأجهزة الكهرومنزلية، بالإضافة إلى التعاون التقني. من ناحية أخرى تُعدُّ الصين أول شريك تجاري للجزائر، حيث بلغ حجم استثمارات الشركات الصينية الناشطة في قطاع البناء وحده 14 مليار دولار في ظرف 8 سنوات الأخيرة، مما يجعل الجزائر ثاني سوق لشركات المقاولات الصينية في أفريقيا بعد نيجيريا، وواحدة من بين أهم 15 شريكاً لها عبر العالم، كما أن الجزائر هي الشريك التجاري الأول للصين في المنطقة، وأكبر سوق للتصدير في المغرب العربي، حيث تهيمن المبادلات التجارية بين البلدين على أزيد من 40 بالمائة من معاملات الصين في الحوض المغاربي، والذي يقارب 21 مليار دولار. يبدو أن الصين في تعاملها الاقتصادي مع الجزائر، تجْني ثمار مواقفها مع هذا البلد إبَّان حرب التحرير، وهي بذلك تستفيد من علاقات الماضي لإنعاش الحاضر، وهي أيضاً عبر تجربة متراكمة تدرك أهمية الجزائر، الأمر الذي عزز التعاون في مختلف المجالات، إضافة إلى ذلك فإن تطورات السياسة الخارجية الصينية نحو أفريقيا أكسبت العلاقات مع الجزائر مزيداً من الحيوية والأهمية.. المدهش أن هذا التمدد الصيني في الجزائر يتم في غياب المنافسة من الاستثمارات العربية هناك، وبلا مبالاة جزائرية بالتعاون العربي، بما في ذلك مع دول الجوار.