تضم آسيا أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان، الدولة التي يعيش بها أكبر عدد من المسلمين، وأكبر قوتين اقتصاديتين بعد أميركا، والقوة العظمى القادمة والمنافس للولايات المتحدة. ولكن عندما زار وزير الخارجية الأميركي «ريكس تيلرسون» القارة مؤخراً، استحوذت كوريا الشمالية الصغيرة والفقيرة تقريباً على اهتمامه. فلماذا تركز الولايات المتحدة، التي تهيمن على العالم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، على هذه الدولة الصغيرة والمعزولة والبعيدة؟ لأن أميركا أصبحت متورطة في مكان لا تنتمي إليه. لقد أصبحت واشنطن متورطة بعمق في شبه الجزيرة الكورية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي وقت لاحق، أعطت الحرب العالمية للعلاقات الدولية طبيعة محصلتها معادلة صفرية، حيث إن خسارة الولايات المتحدة أصبحت مكسباً للاتحاد السوفييتي، والعكس صحيح. وبعد استخدام 37 ألف شخص لإنقاذ كوريا الجنوبية خلال الحرب الكورية، أصبحت مصداقية أميركا أيضاً على المحك. ومع «خسارة» الصين للشيوعية الجديدة، لم يكن أي أحد على استعداد لرؤية دولة آسيوية أخرى وهي تنتمي للشيوعية. لكن هذا العالم اختفى منذ فترة طويلة. وفقدت شبه الجزيرة الكورية أهميتها الجيوسياسية، وفقدت كوريا الجنوبية عجزها، وفقد التزام أميركا لكوريا هدفه. وفي حين أن هناك الكثير من الانتقادات في نهج إدارة دونالد ترامب، فإن الرئيس يري، بشكل صحيح، الحاجة إلى سياسة خارجية تحمي مصالح أميركا بصورة أكثر فعالية. وهناك مكان جيد لبدء مسار التحول وهو المنطقة التي باتت موطناً لأحدث قوة نووية في العالم، وهي أيضاً القوة الأقل مسؤولية. خسائر كبيرة لم تعد الكوريتان ساحة للقتال بالوكالة بين القوى العظمى. ويرى محللون أنه كان هناك وقت عندما كان انسحاب الولايات المتحدة من مواجهة مع الحليف السوفييتي في آسيا من شأنه أن يكون إشارة إلى ضعف قارة بعيدة في أوروبا. لكن السوفييت ذهبوا منذ فترة طويلة وذهب معهم سبب الالتزام الأميركي. لذا فإن الحرب بين الكوريتين ستكون مأسوية وستكون هناك خسائر كبيرة في الأرواح، بيد أنه مع غياب المشاركة الأميركية، سيقتصر القتال على شبه الجزيرة. والوجود المستمر للقوات الأميركية، على النقيض من ذلك، يكفل تقريباً انتشار الصراع. ولم يعد دفاع كوريا الجنوبية يتطلب وجود واشنطن، حيث إن اقتصادها بدأ يتفوق في السباق على خصمها الشمالي خلال ستينات القرن الماضي. ووصلت الديمقراطية في أواخر ثمانينات القرن العشرين. وبحلول العقد الأخير من القرن الماضي، عندما اجتاحت المجاعة الجماعية بيونج يانج فيما كان اقتصاد سيؤول يزدهر، أصبحت الفجوة بين الكوريتين والتي كانت بالفعل ضخمة في ازدياد. وبالمثل، كانت القوة العسكرية لكوريا الجنوبية كبيرة أيضاً، رغم أنها لم يكن أحد يدركها بعد – ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الاعتماد على الوجود الأميركي قد أثر على الخيارات الاستراتيجية. ورغم ذلك، فإن الوجود العسكري الأميركي ظل مقدساً. ولاقت خطة جيمي كارتر لإعادة القوات الأميركية إلى الوطن معارضة حتى من المسؤولين الذين عينهم. أما رونالد ريجان، فقد دفع بأكثر المواجهات قوة مع الاتحاد السوفييتي وغيره من الدول الشيوعية. وبنهاية الحرب الباردة، قام حلفاؤه بتوسيع التزامات التحالف، لا سيما في أوروبا، وكذلك في آسيا. واليوم، يبلغ عدد القوات الأميركية الموجودة في كوريا الجنوبية 28.500 جندي، تدعمهم القوات الأميركية في «أوكياناوا» باليابان وغيرها من القواعد في منطقة آسيا والمحيط الهادي، وبصورة دورية يتم اتخاذ قرارات بصورة دورية للتحليق بالقاذفات فوق الشطر الشمالي من شبه الجزيرة الكورية، أو إرسال حاملات طائرات إلى المياه القريبة وقتما تريد واشنطن استعراض «عزمها» أمام بيونج يانج. فلماذا إذن لا تزال أميركا هناك؟ ما بعد انقسام الكوريتين هناك حجة أخلاقية قدمها المحلل «روبرت إي ماكوي»، مفادها «أن الجهل الأميركي سهّل انقسام شبه الجزيرة الكورية في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية». وقام بعض الكوريين بتشويه سمعة أميركا بسبب هذا الانقسام. لم يكن أي مسؤول أميركي يريد إلقاء السوفييت في شبه جزيرة بعيدة. وكان البديل هو التقاعس الخالص، الذي من شأنه أن يؤدي إلى انضمام الكوريين الجنوبيين إلى جيرانهم الشماليين في العصر المظلم الجديد لسلالة «كيم». وربما كانت واشنطن، عن غير قصد، قامت بعمل جيد جدا. ولهذا السبب فهي تستحق الثناء، وليس النقد ومزاعم بأنها يجب أن تراقب شبه الجزيرة إلى الأبد. أحد المحللين مثل «بروس كلينجر» من مؤسسة التراث «هيريتيدج» رأى أن الدعم الأميركي «ضروري للدفاع» عن الجنوب. ورغم ذلك، وعلى النقيض من عام 1950، ليس ثمة سبب يجعل كوريا الجنوبية غير قادرة على حماية نفسها – إلا إذا كانت ربما مدفوعة للقيام بذلك بسبب مغادرة القوات التقليدية الأميركية. وفي ظل وجود اقتصاد أكبر، وعدد سكان أكبر وتقدم تكنولوجي كبير، وكذلك دعم دولي أكبر، تستطيع سيؤول بناء قوات مسلحة قادرة على ردع وهزيمة كوريا الشمالية. وفي ظل وجود اقتصاد أكبر وعدد سكان أكبر، سيكون القيام بذلك مكلفاً ويحتاج إلى مجهود جاد، ولكن ماذا في ذلك؟ إن أهم واجبات حكومة كوريا الجنوبية هي حماية شعبها. «سياسة الشمس المشرقة» وتحمل هذه المسؤولية من شأنه أيضاً أن يجبر سيؤول على معاملة بيونج يانج بشكل أكثر اتساقاً. وقد أدت «سياسة الشمس المشرقة»، التي بدأت في عهد رئيس كوريا الجنوبية السابق «كيم داي-جونج» إلى تحويل نحو 10 مليارات دولار نقداً ومساعدات إلى كوريا الشمالية، حتى وإن كانت الأخيرة تقوم بتطوير صواريخ وأسلحة نووية. وكان هذا النهج قابلاً للتطبيق فقط لأن واشنطن قدمت دعماً عسكرياً، (وإذا كان رئيس كوريا الجنوبية الجديد، الذي سيتم انتخابه في شهر مايو، سيعيد إحياء سياسة الشمس المشرقة، كما اقترح البعض، فلا نعرف ما إذا كانت إدارة ترامب ستكون متسامحة مع هذا المنحى أم لا). وتحتاج كوريا الجنوبية إلى تحمل كل من التكاليف والفوائد المترتبة على أي نهج تنتهجه. ولكن حتى إذا لم تتمكن كوريا الجنوبية من الدفاع عن نفسها، فإنه لا ينبغي معاملة الجنود الأميركيين كمدافعين عن الأرض، ينتشرون هنا وهناك وفي كل مكان. ولكن يجب أن تذهب الولايات المتحدة إلى الحرب عندما تكون أهم مصالحها في خطر، وازدهار كوريا الجنوبية ليس من بين هذه المصالح الحيوية على الأقل من الناحية الأمنية. وتجدد الصراع المحصور بين الكوريتين من شأنه أن يكون مرعباً، لكن العواقب المترتبة على الولايات المتحدة ستكون في المقام الأول إنسانية واقتصادية، وليست أمنية. كما ستكون التكلفة عالية لكنها ستقع في الأساس على المنطقة. وفي المقابل، فإن انخراط الولايات المتحدة المباشر في حرب كورية أخرى سيكون أكثر تكلفة بكثير من انخراطها في الصراعات الأفغانية والعراقية، التي كلفت أميركا آلاف الأرواح وتريليونات من الدولارات. ميزان قوى مختل وبطبيعة الحال، فإن امتلاك كوريا الشمالية لما نفترض أنه ترسانة نووية قابلة للنمو، وفي مرحلة ما قابلة للوصول إلى مناطق بعيدة، يشوه توازن القوى في المنطقة. ورغم ذلك، فإن هذا لا يخلق الحاجة إلى وجود عسكري أميركي تقليدي على شبه الجزيرة. ولا يزال بإمكان واشنطن ضمان الانتقام الضخم ضد أي استخدام للأسلحة النووية من قبل كوريا الشمالية، ما يعد رادعاً ضد تهديات الأخيرة. ولكن الجدير بالتفكير هو ما إذا كان من الأفضل السماح لكوريا الجنوبية ببناء رادع خاص بها. في أواخر سبعينات القرن الماضي، كان رئيس كوريا الجنوبية «بارك تشونغ هي» يشعر بالقلق بشأن موثوقية واشنطن، وبدأ العمل على صنع قنبلة كورية – كي لا يقع تحت الضغط الأميركي. ومنذ ذلك الحين، فإن الدعم لإعادة إحياء مثل هذا العمل يظهر على السطح بشكل دوري في كوريا الجنوبية. وتشجيع مثل هذه الجهود ربما في الواقع يكون في مصلحة الولايات المتحدة، حتى وإن كان يتعين على أميركا أن تحتفظ بمظلتها النووية بينما يتم تطوير القنبلة الكورية الجنوبية؟ نعم، إن تشجيع الانتشار النووي هو طريق محفوف بالمخاطر. بيد أن الولايات المتحدة ستحصل على مكاسب من بقائها بعيدا عن الخلافات النووية في شمال شرق آسيا. أما الصين، التي تخشى من أن تنضم اليابان إلى العرض النووي، فربما تتخذ إجراءات أكثر صرامة ضد بيونج يانج في محاولة للتصدي لجهود سيول. ربما تشعر «بينونج يانج» بالثقة في دفاعها الخاص، أكثر من الاعتماد على استعداد الولايات المتحدة للتصرف. أي دور للصين؟ وهناك أيضاً مطالبات أوسع نطاقاً للقوات الأميركية. فوجود أميركا من المفترض أنه يعزز الاستقرار في المنطقة ويردع سباق التسلح. دعونا ننظر في هذه المطالب بالترتيب. ما نوع القيد الذي من المفترض أن الصين تشكله؟ وإذا كانت الفكرة تتمثل في إجبارها على تحمل المسؤولية بالنسبة لكوريا الشمالية حال انهيارها، فإن الصين لم تبد أي استعداد لمحاولة استيعاب السكان الكوريين لإثبات أنها ليست لقمة سائغة. وإذا كان الحساب هو أن واشنطن يمكنها إقناع الصين بعدم التدخل في الشؤون الكورية، فمن السهل التنبؤ بعدم الرد غير الودي من جانب البيت الأزرق (مقر الرئاسة في سيول) إذا دعاها البيت الأبيض إلى الانضمام إليها في الحرب ضد الصين أو، قل، إنقاذ تايوان المستقلة، ومكافحة التحركات الصينية في بحر الصين الجنوبي – أو، الأكثر رعباً من ذلك، الدفاع عن اليابان. وفي الحقيقة، فإنه في غياب الحماية الأميركية، ربما تشعر كوريا الجنوبية واليابان بضغوط أكبر من أجل تسوية الخلافات التاريخية في نهاية المطاف، وغالباً ما يساء استخدامها من قبل السياسيين القوميين. إن الوجود الأمني الأميركي في كوريا الجنوبية هو التزام مكلف وخطير لدرجة أن أميركا لم تعد قادرة على تحمله. كما أنه لم يجلب الكثير من الشعبية للولايات المتحدة في البلاد، حيث يعد الجنود الأميركيون عنصراً مثيرا للقوميين. إن كوريا الجنوبية لم تعد دولة فقيرة بحاجة إلى حماية من شبح الشيوعية العالمية لكنها أكثر من قادرة على الوقوف على قدميها. دوج بانداو زميل رئيسي بمعهد «كاتو»، والمساعد الخاص للرئيس رونالد ريجان. عن دورية «فورين بوليسي» ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»