يشير مصطلح الذكاء الصناعي، في معناه الواسع، إلى ما تتمتع به الآلات والأجهزة، من جوانب ومظاهر الذكاء المختلفة. ولكن بناء على أن تعريف الذكاء نفسه -لدى البشر أو غيرهم من الكائنات- غير واضح أو متفق عليه، يظل تعريف الذكاء الصناعي هو الآخر فضفاضاً إلى حد كبير. فمثلاً تبعاً لعلوم الكمبيوتر، يشير مصطلح الذكاء الصناعي إلى دراسة «العملاء الأذكياء» (Intelligent Agents)، أي الأجهزة القادرة على تحسس واستشعار البيئة المحيطة، والاستجابة للمتغيرات في هذه البيئة، بشكل يزيد من فرص النجاح في تأدية مهامها. وفي المفهوم العامي، يستخدم مصطلح الذكاء الصناعي، عندما تحاكي أو تماثل الآلة، الوظائف الذهنية المرتبطة والمقرونة بالعقل البشري، مثل التعلم، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات. وحديثاً تنوعت وتعددت تطبيقات واستخدامات الذكاء الصناعي، بشكل كبير وهائل، ولكن في الآونة الأخيرة ظهرت بعض التطبيقات التي حظيت باهتمام إعلامي وشعبي واسع، مثل السيارات من دون سائق، وأجهزة التشخيص الطبية، والكمبيوترات القادرة على هزيمة أبطال العالم في الشطرنج. وحتى محركات البحث على الإنترنت مثل «جوجل»، أو المساعد الشخصي «سيري» في تليفونات «آبل»، بالإضافة إلى برامج الكمبيوتر القادرة على التعرف على البريد الإلكتروني غير المرغوب فيه أو «السبام»، وإعلانات الإنترنت التي تستهدف أشخاصاً محددين، بناء على العمر، أو الجنس، أو مكان الإقامة، أو المشتريات السابقة، أو الاهتمامات العامة للشخص، وهي تعتبر جميعها ضمن أشكال الذكاء الصناعي الحديث. وفي ظل حقيقة كون مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تشكل المصدر الرئيسي للأخبار، للفئات العمرية صغيرة السن، شرعت وسائل الإعلام، من شبكات تلفزيون وجرائد، ووكالات أنباء، في استغلال هذه المواقع بالاعتماد على برامج كمبيوتر تتمتع بقدر من الذكاء الصناعي، لزيادة انتشارها، ورفع أرقام توزيعها، وترتيب أولويات النشر والمساحة المخصصة للمواضيع المختلفة، بناء على تفاعل القراء والمشاهدين. ويعتبر قطاع الرعاية الصحية من المجالات التي توغل فيها الذكاء الصناعي بقدر ملحوظ، مع تصاعد التوقعات بأن تأثيره سيتزايد بشكل سيغير من سمات هذا القطاع في المستقبل القريب. فعلى سبيل المثال، طورت شركة «مايكروسوفت» برنامج كمبيوتر يتميز بقدر من الذكاء الصناعي لمساعدة الأطباء على اختيار كوكتيل العقاقير والأدوية المناسب لحالات السرطان المختلفة. ففي ظل حقيقة وجود أكثر من 800 عقار طبي وتطعيم مختلف للأمراض السرطانية، يواجه الأطباء مشكلة اختيار الخيارات الأفضل لكل مريض، ليس فقط بناء على نوع المرض ومكانه، بل أيضاً حسب عمر وجنس المريض وحالته الصحية العامة. وبناء على هذه الخلفية، قامت «مايكروسوفت» بتطوير برنامج خاص يدعى «هانوفر»، سيحتفظ في ذاكرته بجميع الأبحاث والدراسات المنشورة في مجال علاج الأمراض السرطانية، وهي بعشرات الآلاف إن لم تكن بمئات الآلاف، ومن ثم تحديد العلاج الأفضل للمريض بناء على المعطيات الخاصة به. وبخلاف العلاج، أظهرت دراسة حديثة أن أجهزة التشخيص المزودة بذكاء صناعي، كانت على نفس قدر كفاءة ودقة الأطباء الاستشاريين في تشخيص أنواع سرطان الجلد. وحسب ما أذاعته شبكة «سي إن إن»، نجح أطباء المستشفى الوطني للأطفال في واشنطن (Children’s Medical Center) في استخدام «روبوت» مستقل ذاتياً تماماً، في إجراء تدخل جراحي، بالاعتماد فقط على الذكاء الصناعي. ورويداً رويداً ينتشر الذكاء الصناعي، أو قدرة الأجهزة والآلات على التعلم، والتفاعل الذاتي المستقل مع البيئة المحيطة، في مجالات مختلفة ومتنوعة من حياة إنسان العصر الحديث. وإن كان هذا الانتشار المتزايد والمتصاعد، يثير القلق والمخاوف لدى كثيرين، لجهة تبعاته الاقتصادية والاجتماعية، وربما حتى البيولوجية. وبعض هذه المخاوف يتركز حول فكرة أن الأجهزة والآلات المتمتعة بذكاء صناعي، قد تهدد يوماً ما بقاء ووجود الجنس البشري من الأصل، أو على الأقل قد تتسبب في كارثة عالمية غير مسبوقة، وغير قابلة للإصلاح والاحتواء. وهذا المفهوم يعرف بـ«الخطر الوجودي من الذكاء الصناعي العام». ويرى هؤلاء أنه تماماً كما يسود الجنس البشري حالياً كوكب الأرض، نتيجة ما يتمتع به المخ البشري من قدرات تفوق قدرات وذكاء الكائنات الحية الأخرى، فإذا ما تطورت الأجهزة والآلات المزودة بالذكاء الصناعي، فستسود هي ساعتها الكوكب، وسيصبح بقاء الإنسان مرهوناً بإرادتها ورغبتها في استمرار وجوده من عدمه. ويشبه هؤلاء حالة الإنسان حينها، بحالة «غوريلا» الجبال مثلاً، التي يظل بقاؤها ووجودها حالياً مرهوناً برغبة الإنسان في بقائها واستمرارها، أو القضاء عليها تماماً وانقراضها.