عندما يكون فكرك وطنك، فإنك تتنقل في هويتك الوطنية حسب المصالح السياسية لجماعتك، التي تدين لها بالولاء والانتماء. دعوني أسوق لكم مثلاً واقعياً نعيشه في تاريخنا المعاصر، لن تجد منتمياً لجماعة «الإخوان المسلمين» حول العالم يدين أي حراك لكبت الآخرين في تركيا، لقد رأينا بعد محاولة الانقلاب الفاشل محاكمات لمئات من الأفراد، وإنهاء خدمات الكثير من الأكاديميين والمعلمين والقضاة والعسكريين بتهمة الانتماء للتنظيم الموازي الذي تتهمه الحكومة بمحاولة الانقلاب خلال الصيف الماضي. لن نتدخل في الشأن التركي الداخلي فالأمر لهم، لكن صمت «الإخوان» عن كل ذلك سببه أن تركيا تحتضن رموز «الإخوان» من كل مكان، فأنساهم هذا الأمر كل الانحرافات الأخرى الموجودة في المجتمع التركي، وأصبحوا أداة إعلامية لنشر المنجزات التركية، لكن لو اقتضت مصلحة السياسة التركية التخلي عن حماية رموز جماعة «الإخوان»، لرأيت أن تركيا ستتحول في نظر «الإخوان» إلى بلاد علمانية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ سلبية عند الفئة «الإخوانية». الخطورة تتلخص في تحول الفكر الإسلامي من دعوة الآخر إلى تكفيره، وبعد تجربة الجهاد في أفغانستان، رأينا ميلاً لدى الأحزاب الإسلامية لتوجيه أفرادها إلى العمل العسكري، حيث تم إنشاء «القاعدة»، والتي انشطرت عنها تنظيمات أخرى كـ«داعش»، التي باتت مسيرة من قبل أجهزة عالمية لنشر الخراب وفق مقتضيات أجندة سرية. هذه المقدمة لازمة لبيان خطورة الفكر الفئوي الإسلامي على شباب الدول العربية والإسلامية، فجل التيارات التي رفعت شعار الإسلامية، تجعل الفكر لدى أفرادها مقدماً على الوطن، وتتفنن في زيادة الفجوة بين المنتمين لها وأجهزة الدول التي يحملون وثائقها، فعندما تتحاور مع الإسلاميين في أوروبا وأميركا نادراً ما تجد منهم من يقول أنا فرنسي أو أميركي؛ لأنهم يعتبرون تلك الدول مطية لتحقيق أمنياتهم بدولتهم الخاصة بهم، وعندما تفشل مخططاتهم كما جرى في مصر على سبيل المثال تجد تسويقاً لفشل الحكومة حتى في أوقات الأزمات، التي تقتضي تقديم المصلحة الوطنية على الأمنيات الحزبية، هذا ما تابعناه خلال الأسبوع الماضي من تعليقات على التفجيرات التي نالت عدداً من الكنائس المصرية. في الإسلام نعلم حرمة الدماء، وبالذات دماء المواطنين الأقباط في مصر، فقد خصهم الرسول عليه الصلاة والسلام بميزة إضافية عندما قال: «استوصوا بالقبط خيراً فإن لهم ذمة ورحماً»، إذا كان «الدواعش» هم المنفذون، فإن لهم من أهل الفكر مؤيدون، والهدف إسقاط الدولة المصرية في فتنة الطائفية، التي تعاني ويلاتها اليوم عدداً من الدول العربية، لقد قرأت في الصحافة العالمية الكثير من التعليقات التي تقودني لهذه الاستنتاجات ففي الـ«Washington Post» تعلق على حادثي تفجيري طنطا والإسكندرية بقولها إن الأقلية المسيحية بمصر عاشت يوماً هو الأكثر دموية منذ عقود، مشيرة إلى أن التفجيرين اللذين، أعلن «داعش» مسؤوليته عنهما يهددان بزيادة العزلة التي يشعر بها الأقباط بمصر، مضيفة أن مشاعر الغضب بين المسيحيين بدأت تتنامى إزاء القيادة السياسية، وصحيفة «The Guardian» تقول، إن يوماً من العنف الدامي دفع المسيحيين في مصر إلى التساؤل حول إذا ما كانوا آمنين بالفعل في مصر رغم تعهدات الحكومة المتكررة بتوفير الحماية لهم؟ مضيفة أن وتيرة الهجمات التي تستهدف الأقلية المسيحية في مصر زادت بعد عزل الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة «الإخوان المسلمين». مختار عوض، الباحث في برنامج التطرف بجامعة واشنطن، يقول لـ CNN، إن «استهداف المسيحيين أحد أسهل الطرق لإثارة عدم الاستقرار». مصر قوية في لحمتها الوطنية، ولن تنجح تلك التحريضات في زلزلة كيانها، والعاقل من اتعظ بغيره.