العنوان أعلاه عنوان مثير. يجمع بين الثقافة والوطن والمستقبل، ثلاثة عناصر تكوّن هموم الوجدان العربي المعاصر. الثقافة هي الهم الأول. فلا نهضة ولا تقدم دون الاستناد إلى الثقافة. وهي ثقافة وطنية أي ثقافة الشعب التي تحرك الجماهير وتؤثر في العامة في مقابل ثقافة النخبة الحاملة للأيديولوجيات السياسية الغربية. وهو تقرير كتبه طه حسين بعد حضوره مؤتمراً في سويسرا عن مستقبل الثقافة. وكانت العادة وقتئذ أن يكتب الأستاذ تقريراً عن كل مؤتمر يحضره حتى تستفيد الجامعة بالخبرات الدولية، ما دامت هي التي ساهمت في الإنفاق على حضور هذا المؤتمر. وهو تقليد اختفى إما لعدم الاهتمام بالموضوع، أو لعدم اهتمام الجامعة به. فلم يعد حضور أستاذٍ مؤتمراً دولياً حدثاً ذا بال. وأهم ما فيه هو المقدمة التي تبين موقف الكاتب من الثقافة المصرية، والحديث عن المصرية أكثر من الحديث عن العربية أو الإسلامية. وتكشف المقدمة عن ضرورة تبني النموذج الغربي في الثقافة. فقد ارتبطت الثقافة العربية بالثقافة اليونانية منذ نشأتها عن طريق الترجمة وتبني النماذج اليونانية الأفلاطونية أو الأرسطية أو كليهما. والثقافة الرومانية هي وريث الثقافة اليونانية. ومن ثم فإن الثقافة اليونانية الرومانية هي نموذج الثقافة العربية. ولما كانت الثقافة الغربية وريث الثقافة اليونانية الرومانية، فاليونان الحديث وريث اليونان القديم، وممثل الغرب الحديث. وقد أتت الثقافة اليونانية الرومانية من الشمال، من أثينا إلى الإسكندرية، وكذلك تأتي الثقافة الغربية من الشمال من فرنسا خاصة إلى الوطن العربي وبصورة أخص شمال أفريقيا والشام. وقد كانت البعثات التعليمية الأولى إلى فرنسا منذ الطهطاوي وقبله الشيخ حسن العطار. فكان الانفتاح على فرنسا من آثار الحملة الفرنسية على مصر وتأسيس المجمع العلمي والقناطر والجسور والمتاحف وتخطيط المدن ونموذج المدارس العليا والجامعات والجمعيات العلمية، والأكاديميات. وارتبط التحديث في مصر بفرنسا، علماً وثقافة. وأصبحت فرنسا هي ممثل النموذج الغربي ليس فقط في مصر بل في عديد من الدول الأوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا أيضاً. أما الشرق فلا صلة لمصر به، وفق هذه الرؤية. وكل الشام توجهه نحو الغرب، فرنسا. لا تربط مصر أي رابطة لغوية أو ثقافية أو علمية بالشرق، عالم الحلم والسحر والخيال. مع أن أي تقدير لأي شيء يقترن بالشرق مثل كوكب الشرق، صحيفة الشرق، مطعم الشرق، مكتبة الشرق، نادي الشرق. وكان الشرق السياسي لم يبدأ بعد سواء في صورة الحياد الإيجابي أو العالم الثالث أو القارات الثلاث بعد أن دخلت أميركا اللاتينية وأفريقيا في النموذج الشرقي. وأخيرا ظهرت «ريح الشرق» كموجة حضارية جديدة تقوم على انتقال الحضارة من الغرب إلى الشرق، كما انتقلت في البداية من الشرق إلى الغرب. وفي كلتا الحالتين فالعالم العربي هو الممر. إن الدول العربية المترامية الأطراف أكبر من أن يكون هناك نموذج لها أو يحتويها، فهي قادرة على خلق نموذجها الخاص. وإذا كان التعدد اللغوي والعرقي والطائفي يؤخذ بعين الاعتبار فإن النظام الفيدرالي خير نظام سياسي قادر على احتواء هذا التنوع البشري فهو النظام القادر على الحفاظ على الوحدة والاختلاف في الوقت نفسه. فالاتحاد الأوروبي كوّن نظامه السياسي على الأرض، وعديد من الدول المتعددة الأعراق اختارت النظام الفيدرالي مثل الولايات المتحدة الأميركية، إسبانيا، إيطاليا، ألمانيا، روسيا. وبالتالي يصبح العرب مثل باقي الدول المتنوعة الأعراق والطوائف يحافظون على عروبتهم، فكل من تكلم العربية فهو عربي، ويتمسكون بخصوصيتهم وموقعهم في الزمان والمكان. إن مستقبل الثقافة في مصر ليس النموذج الغربي بل نقد الغرب وتأسيس علم «الاستغراب» كما أسس الغرب علم «الاستشراق» حتى يستيقظ الأنا الشرقي. ويتحول من موضوع للدراسة إلى ذات دارسة. ويصبح كل منهما دارسا ومدروسا. وفي هذه الحالة ينجح الحوار بين طرفين متكافئين وليس بين طرف يرى وطرف مرئي. كل منهما نموذج لنفسه فتتعدد النماذج، وتنتهي أحادية النموذج. وينتهي التقليد الذي هو آفة من آفات العلم. ----------------- * أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة