باتت الضغائن الشخصية، بين كبار موظفي البيت الأبيض، منذ أن تولى الرئيس دونالد ترامب الحكم، موضوعاً لنقاش مكثف بين النخبة في العاصمة واشنطن. ويتركز هذا النقاش، بشكل خاص، على العلاقة بين «جاريد كوشنر»(36 عاماً) صهر ترامب، و«ستيفن بانون» كبير مستشاريه، كما يشمل أيضاً الجنرال «إتش آر ماكماستر» مستشار الرئيس للأمن القومي، و«رينس بريبوس» رئيس موظفي البيت الأبيض. بلغت المعارك بين تلك الشخصيات ذروتها في الخامس من أبريل الجاري، عندما صدر بيان رسمي من البيت الأبيض، يعلن أن بانون لم يعد عضواً دائماً في مجلس الأمن القومي. وكما ذكرت تقارير صحفية، فإن ماكماستر، الذي لا يريد أن يكون هناك مستشارون سياسيون في المجلس، هو الذي يقف وراء هذا القرار، الذي يعني تنزيل رتبة «بانون»، كما أنه هو الذي اقترح أيضاً تعيين «جوزيف دانفورد»، رئيس هيئة الأركان المشتركة، و«دانييل كوتس»، مدير الاستخبارات القومية، كعضوين متفرغين في مجلس الأمن القومي، بدلاً من «بانون» الذي أطاح به. نتج عن ذلك رد فعل مباشر، وصاخب من قبل أوساط الجناح اليميني القومي، المؤيدة لبانون، وأسلوبه الخاص في ممارسة السياسة، الذي يتصف بالراديكالية من جهة، ويعكس الرؤية القاتمة المتشائمة للشؤون العالمية التي عبر عنها ترامب في خطابه الافتتاحي في 20 يناير الماضي، من جهة أخرى. وهذه الأوساط تبدي تشككاً كبيراً حيال «كوشنر»، وزوجته «إيفانكا» ابنة ترامب، على أساس أن كليهما كانا «ديمقراطيين» ليبراليين في الأساس، قبل أن يصبحا جزءاً من حملة ترامب الانتخابية، كما أنهما يبديان اهتماماً بقضايا من شاكلة رعاية الأطفال، والاحتباس الحراري، أكثر مما يبديه باقي مؤيدي ترامب المتشددين حيالها. ومن الأسباب التي جعلت من بانون هدفاً لهذا القدر الكبير من الضغينة، أنه ينظر إليه على أنه مسؤول عن كارثتين سياسيتين كبيرتين، تعرضت لهما إدارة ترامب في بداية عهدها. فبانون ومساعده ستيفن ميلر، هما الرجلان اللذان صاغا الأمرين التنفيذيين، المتعلقين بفرض حظر مؤقت على دخول مهاجرين مسلمين من سبع دول إسلامية لأراضي الولايات المتحدة، وهما الأمران اللذان حكمت المحكمة العليا فيما بعد بعدم دستوريتهما، وحالت دون وضعهما موضع التنفيذ. وعلى نفس المنوال تقريباً ينظر للرجلين على أنهما، ومعهما بريبوس، كانوا مسؤولين عن العمل مع «الجمهوريين» في الكونجرس، من أجل إبطال قانون الرعاية المتاحة (أوباما كير)، ولكنهم فشلوا في المهمة المنوطة بهم، بسبب الخلافات الجوهرية بين الأعضاء «الجمهوريين»، بشأن ماهية الإجراءات التي يتعين اتخاذها، والتي يمكن صياغتها في قانون يحل محل القانون المذكور (أوباما كير). حتى الآن لم يحقق ترامب أي انتصارات تشريعية، يمكن أن يظهرها أمام أنصاره، وتدعم موقفه بشكل عام، على الرغم من امتلاك «الجمهوريين» للأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ. وقد أدى قرار ترامب بإطلاق صواريخ كروز على قاعدة جوية سورية في السادس من أبريل الجاري، كرد فعل على الهجوم الكيماوي الذي شنه الجيش السوري على المدنيين، إلى مفاقمة التوترات القائمة، لأنه وضع علاقات الولايات المتحدة مع روسيا على المحك، وأقنع العديد من شخصيات التيار المحافظ في الولايات المتحدة، أن ترامب يتصرف، في الوقت الراهن، بنفس الطريقة التي كان يتصرف بها الرؤساء الأميركيون السابقون، الذين تدخلوا في الشرق الأوسط، ونتج عن تدخلهم أكلاف بشرية ومادية هائلة للولايات المتحدة. كان أمل هؤلاء جميعاً، أن ترامب سيكون رئيساً مختلفاً تمام الاختلاف عن الرؤساء السابقين، من ناحية أنه سيركز على المصالح القومية الأميركية في المقام الأول، وهو ما سيستدعي بالضرورة انخراطاً أقل مع بقية العالم، بما في ذلك حلفاء أميركا التقليديين، وكذلك تحالفاتها التقليدية. الكيفية التي سيحل بها ترامب المشكلات التي يعاني منها البيت الأبيض، ستساعد على معرفة ما إذا كان مستعداً للقبول بدور أميركي تقليدي في العالم، ومستعداً كذلك للتعاون مع «الجمهوريين» و«الديمقراطيين»، الذين يؤمنون بمقاربة ثنائية الحزبية، لشؤون السياسة الخارجية، أم أن الأمر على خلاف ذلك. من المؤشرات الدالة على أن ترامب سيصبح رئيساً أكثر تقليدية بمرور الوقت، هو أنه بات يميل للاعتماد، بشكل متزايد، على النصائح التي يقدمها له مستشاروه العسكريون، وعلى الأخص «ماكماستر»، وجيمس «ماتيس» وزير دفاعه، الذي يحظى باحترام كبير. وكلا الرجلان يتمتعان، في الحقيقة، بخبرة كبيرة، ويحظيان باحترام معظم «الديمقراطيين» في أميركا، وكذلك احترام حلفاء أميركا الرئيسيين في أوروبا، وآسيا، والشرق الأوسط. بالإضافة لهذين الرجل، لدى ترامب أيضاً سفيرة قوية ومفوهة في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وهي«نيكي هالي» التي شغلت في السابق منصب حاكمة ولاية كارولينا الجنوبية، والتي كانت من كبار المنتقدين للسلوك الروسي في سوريا، وأعلنت بصراحة ووضوح تام، أكثر من مرة، أنه لا حل في سوريا طالما ظل الرئيس بشار الأسد في السلطة. ومثل هذه التصريحات، غير مرحب بها عادة من قبل الجناح اليميني المتشدد في صفوف «الجمهوريين»، لأنها تؤشر على توجه لانخراط أميركي أكبر في حروب الشرق الأوسط، وهو أمر لو حدث، فسيكون مناقضاً تماماً، للتصريحات التي كان ترامب يدلي بها أثناء حملته الانتخابية.