في يناير الماضي، قالت مستشارة الرئيس باراك أوباما للأمن القومي سوزان رايس: «لقد تمكنا من حمل الحكومة السورية على التخلي على مخزونها من الأسلحة الكيماوية بشكل طوعي وقابل للتحقق». وأضافت متباهية أن أوباما استطاع «التعاطي مع تهديد الأسلحة الكيماوية عن طريق... الدبلوماسية» و«بطريقة ما كان سيحققها استخدام القوة». حسناً، قُولي ذلك لأطفال إدلب، الذين قضوا في هجوم استعمل فيه غاز أعصاب كانت إدارة أوباما قد طمأنتنا بأن نظام الأسد لم يعد يمتلكه. «إنني فخور جداً بهذه اللحظة»، هكذا قال أوباما العام الماضي عن قراره العدول عن فرض احترام الخط الأحمر الذي كان قد رسمه بنفسه، واللجوء بدلاً من ذلك إلى روسيا للخروج من المأزق باتفاق يحفظ ماء الوجه، وتتخلى بموجبه سوريا عن أسلحتها الكيماوية -اتفاق بتنا نعلم الآن أن نظام الأسد قد انتهكه من دون خوف من العقاب. بيد أن الهجوم الكيماوي السوري لم يكن فشلاً لسياسة أوباما الخارجية الضعيفة فحسب، ولكنه كان أيضاً فشلاً لأجندة الديمقراطيين بخصوص مراقبة التسلح. فعلى مدى عقود، وضع الديمقراطيون ثقتهم في الاتفاقيات الدولية لمراقبة انتشار الأسلحة الخطيرة. ولكن ومثلما رأينا في السنين الأخيرة، فإن بعض الاتفاقيات غير المدعومة بتهديد ذي مصداقية باستعمال القوة تعجز عن كبح الديكتاتوريين القتلة وثنيهم عن محاولة تخزين أسلحة الدمار الشامل. على أن الأمر لا يقتصر على سوريا فقط. ففي اليوم نفسه الذي أمر فيه الرئيس دونالد ترامب بضربات ضد نظام الأسد، كان يستقبل الرئيس الصيني لمناقشة كيفية التعاطي مع إخفاق ديمقراطي آخر في مراقبة التسلح: إنه التهديد النووي الكوري الشمالي. والحال أنه في 18 أكتوبر 1994، قال الرئيس بيل كلينتون بغير قليل من التباهي إنه إذا كانت «ثلاث إدارات أميركية قد حاولت إخضاع هذا البرنامج النووي للمراقبة الدولية»، فإن إدارته نجحت أخيراً في التوصل لاتفاق تاريخي مع كوريا الشمالية يساعد على «وضع حد لتهديد الانتشار النووي في شبه الجزيرة الكورية». ولكن بعد اثني عشر عاماً، فجّرت كوريا الشمالية قنبلة نووية. وعلى رغم وعود كلينتون بعمليات تفتيش وتحقق مكثفة، إلا أن الكوريين الشماليين كانوا يغشّون طوال الوقت، على غرار نظام الأسد. لا بل إنهم لم يواصلوا تطوير أسلحة نووية فحسب، ولكنهم أصبحوا أيضاً من أبرز المسؤولين عن انتشار التكنولوجيا النووية في العالم، حيث ساعدوا سوريا على بناء ما يشتبه في أنه مفاعل نووي في دير الزور (لم يوقف نتيجة الدبلوماسية، وإنما بضربة عسكرية إسرائيلية). والأدهى من ذلك هو إعلان كيم جونغ أون في الأول من يناير من هذا العام أن نظامه «دخل المرحلة الأخيرة من الاستعدادات لإجراء تجربة إطلاق لصاروخ باليستي عابر للقارات» يمكن أن يحمل يوماً ما قنبلة إلى الولايات المتحدة. وغني عن البيان أنه حالما امتلكت كوريا الشمالية قدرة نووية أكيدة، فإنه يصبح من الصعب على الإدارات الأميركية اللاحقة بشكل متزايد وقف برنامجها النووي. غير أننا نستطيع، على الأقل، الدفاع عن أنفسنا عبر بناء ونشر دفاعات صاروخية باليستية للوقاية من هجوم كوري شمالي. أليس كذلك؟ كلا، يقول الديمقراطيون. فذلك سيشكّل انتهاكاً لمبدأ «مقدس» آخر من مبادئ اليسار بخصوص مراقبة التسلح: اتفاقية الحد من الصواريخ الباليستية، «إيه بي إم»، لعام 1972. وللتذكير، فإن الديمقراطيين قد ثارت ثائرتهم عندما انسحب الرئيس جورج دبليو. بوش من هذه الاتفاقية في 2001، ما سمح للولايات المتحدة بالشروع في نشر دفاعات ضد الأنظمة المارقة. وبعد أن عجزوا عن منع الانسحاب الأميركي، سعى الديمقراطيون جاهدين إلى الحد من نشر تلك الأنظمة. وفي هذا السياق، أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن أوباما قلص تمويل الدفاع الصاروخي بنحو 25 في المئة طيلة فترة رئاسته. ونتيجة لذلك، بتنا نواجه اليوم تهديداً متزايداً بسرعة من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات من كوريا الشمالية، ولكننا متأخرون بسنوات من حيث قدرتنا على الدفاع والوقاية منه. ولكن هذا ليس كل شيء. وإذا أعجبتك إخفاقات مراقبة التسلح في سوريا وكوريا الشمالية، فلاشك أنك ستحب أيضاً نتائج اتفاق أوباما النووي مع إيران. والحال أن هذا الاتفاق أسوأ بكثير من الإطار النووي الذي تفاوض حوله كلينتون مع كوريا الشمالية. ذلك أنه إذا كانت كوريا الشمالية قد اضطرت، على الأقل، للغش لتطوير قنبلة نووية، فإن إيران ليست مضطرة للغش -لأن اتفاق أوباما لا يلزمها بتفكيك أي من منشآتها النووية، أو إنهاء عمليات التخصيب، أو إنهاء البحث والتطوير بخصوص أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، أو السماح بعمليات تفتيش مباغتة، أو وقف تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات. وحول هذا الموضوع، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن الاتفاق النووي الإيراني إنما «يعبّد طريق إيران إلى القنبلة»، بدلاً من أن يمنعها من ذلك. إن الديمقراطيين يؤكدون لنا أن نتنياهو على خطأ. ولكن سبق لهم أن أكدوا لنا أيضاً أن دبلوماسية أوباما جرّدت سوريا من أسلحتها، وأن دبلوماسية بيل كلينتون ساعدت على إنهاء «تهديد الانتشار النووي في شبه الجزيرة الكورية»، وأننا سنكون أكثر أمناً إذا اعتمدنا على اتفاقية «إيه بي إم» و«التدمير المتبادل المؤكد» بدلًا من الدفاعات الصاروخية الباليستية. فهل ما زلتم تشعرون بأنكم أكثر أمناً؟ ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»