قمة القيادات الثقافية العالمية 2017، التي انطلقت فعالياتها، أمس الأحد، في أبوظبي، وتستمر حتى الخميس المقبل، تجسد حالة الحراك الثقافي الذي تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة، وكيف أنها تحولت إلى ملتقى للحضارات والثقافات المختلفة، بفضل نموذجها الفريد في التعايش والتسامح الذي يسمح لأكثر من مائتي جنسية تعيش على أراضيها في توافق تام برغم الاختلافات الثقافية والدينية فيما بينها. أهمية هذه القمة التي تشرف هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة على تنظيمها بالتعاون مع "مجموعة أف بي"، ناشر مجلة "فورين بوليسي"، و"شركة تي سي بي فينتشرز"، المتخصصة في إنتاج المشاريع الفنية والاستشارات الفنية والثقافية، لا تكمن فقط في كونها الحدث العالمي الأول من نوعه الذي يجمع نخبة من الشخصيات الثقافية والإبداعية في العالم، وإنما أيضاً من طبيعة القضية المحورية التي تتناولها، حيث تركز على مناقشة الدور الذي باتت تلعبه الثقافة في مواجهة التحديات العالمية الراهنة، وأثر التقنيات الحديثة في تغيير المشهد الثقافي والتواصل بين الحضارات، ونتائج هذه التحولات على التعليم والاقتصاد والسياسة وجميع جوانب الحياة اليومية. هذه القمة التي تجمع مشاركين رفيعي المستوى من القطاعات الحكومية وقطاعات الفنون والتراث والتعليم والصحافة والعلوم والتكنولوجيا من كل أنحاء العالم؛ بهدف مناقشة مواضيع الثقافة والاهتمامات المشتركة وبناء شراكات تعاون جديدة، ومناقشة سبل التصدي للتحديات الاجتماعية والسياسية الراهنة، تؤكد أن الثقافة بمضمونها العام باتت إحدى أدوات التغيير الرئيسية في العالم، بل إنها تندرج ضمن "القوة الناعمة"، التي أصبحت تحظى باهتمام غير مسبوق منذ سنوات، وخاصة في ظل منظومة التغيرات الثقافية التي شهدها العالم خلال السنوات القليلة الماضية، والتي جعلت من الثقافة رافداً قوياً للسياسة الخارجية لأي دولة، بل إنها باتت في مقدمة وسائل التقارب بين الشعوب، لأنها تخاطب وجدان الشعوب بما تمثله من منظومة من القيم المجتمعية والحضارية والإنسانية، التي تهم جميع شعوب العالم. في هذا السياق فإن المحاور التي تناقشها قمة القيادات الثقافية العالمية تسلط الضوء على العديد من القضايا المهمة، التي تهم دول المنطقة والعالم أجمع، وخاصة فيما يتعلق بدور الثقافة في حماية التراث العالمي، ودورها في مواجهة التطرف، فضلاً عن علاقة الثقافة بالإبداع والابتكار، وتعليم الفنون للشباب وإيجاد طرق جديدة لدعم الفنون. قمة القيادات الثقافية تؤكد أن أبوظبي، ودولة الإمارات العربية المتحدة بوجه عام، باتت واحة ثقافية تتجاوز حدود الجغرافيا بما تمتلكه من مشروعات وخطط مستقبلية، وهذا لم يأت من فراغ، وإنما من خلال استراتيجية ثقافية لها أهدافها الواضحة، تقوم على إيمان راسخ بأهمية الثقافة ودورها الكبير في التنمية بمفهومها الشامل، وما تمثله من جسر للتفاهم والتعارف بين الأمم والشعوب، وهذه الاستراتيجية تم ترجمتها على أرض الواقع في العديد من المشروعات الثقافية التي تأخذ في الاعتبار خصوصية الإمارات الحضارية والمجتمعية من ناحية، والانفتاح على المشهد الثقافي العالمي وفعالياته المختلفة من ناحية ثانية، على النحو الذي يتجسد بوضوح في المشاريع الثقافية الرائدة، مثل المتاحف العالمية في المنطقة الثقافية في السعديات، والمعالم الثقافية في مدينة العين المدرجة على قائمة اليونيسكو لمواقع التراث العالمي. وفي هذا السياق لا يخفى على أحد طبيعة الدور المهم الذي تقوم به هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، في هذا الحراك الثقافي الكبير، سواء من خلال دعمها الفعاليات الثقافية المختلفة، أو من خلال مبادراتها الرامية إلى تعزيز الشراكات الثقافية مع العديد من دول العالم. ولا شك في أن قمة القيادات الثقافية، بما توفره من منصة عالمية لكبار قادة الثقافة والفكر في العالم للبحث في كيفية تفعيل دور الثقافة في التنمية بمفهومها الشامل ومواجهة التحديات المختلفة، ستمثل نقلة نوعية على طريق تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في المجال الثقافي، وتأكيد أهمية الثقافة كمدخل نحو بناء علاقات قوية بين الدول، لما تتمتّع به الثقافة من مقدرة كبيرة على التقريب بين الشعوب. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية