عندما نقول بأهمية التنوير الديني فإن هناك إشكالية أزلية، وهي أن الدين المتمثل في كتاب الله لا يخضع للتجربة العلمية والنقد العقلي ومعاملته كنص قابل للجرح والتعديل، وهو أمر غير وارد البتة، ولكن أن يعامل ما سواه بقدسية كبيرة وينسب كجزء لا يتجزأ من الدين الإسلامي من حيث الصحة وعدم وجود الخطأ بحجة أن العلماء أجمعوا عليه وهو ممنوع من التشكيك، ذلك هو الأمر الجلل ومنطق له دلالات خطيرة قادتنا لوجوب قتل المرتد فكيف نوفق بين كتاب الله الذي حرم إجبار الناس على الدين وعدم إكراههم على اتباع الإسلام وحرية الاختيار وإلى الله عاقبة الأمور، وبين المراجع التي تقول بقتل المرتد؟ ولذلك التنوير يجب أن يكون روحياً وليس دينياً، وخاصة أن الدين أصبحت له نسخ مختلفة، والتكفير تدرس جذوره الفكرية من خلال الكتب المتوفرة في كل مكان وحتى في المراكز والمنابر التي تأسست لنشر التسامح والتعايش في العالم بأسره، وفي واقع الأمر لا يخلو بيت أو مكتبة أو موقع إلكتروني من الأطروحات التكفيرية وخطابات الكراهية، والتي لا تنفع ولا تجدي معها عمليات التجميل التبريرية كونها بشرية ولم يكن الإسلام يوماً للعرب فقط، ولم يكن القرآن يوماً لقريش حصرياً والعيش به كأسلوب حياة ليس حكراً على من يفهم اللغة العربية فلماذا نكرس فصل القاعدة عن قمة الهرم في فهم الدين؟ فالحراك في العقل المسلم يقابله اتهام فوري بالزندقة والجهل والدخول في عصر الجماعات التكفيرية أو جماعات الإسلام السياسي العنيفة، أو اتباع رأي الأكثرية دون عناء التفكير وركن هذه الجزئية لغيره لكي يفكروا ويقرروا عنه بالوكالة وكأنهم سيحاسبون عنه يوم القيامة، كما انتشر الإلحاد أو التمرد على الدين في الأقطار الإسلامية كالنار في الهشيم من كثرة التناقضات والأمور التي دست في الدين وشوهت روح الإسلام، ولا يوجد خيار وسط بين ذلك، والإسلام في أزمة عصيبة ولا يبدو أن المؤشرات تسير نحو تحرير الدين من خزعبلات وهرطقة البشر ما دام الأمر مؤسسياً ويدعم من بعض الحكومات لسبب أو لآخر. والتنوير الديني أخذ أبعاداً عالمية في نهاية القرن الثامن عشر وبالتحديد في العالم الغربي بين أنصار الديانة المسيحية الرافضين للإسهاب في التقليدية والماضوية والمتأثرين بحركة التنوير في إنجلترا في البداية ومن ثم في فرنسا، وبالتالي الركون إلى العقل التجريبي والمعرفة العلمية والنقد العقلي والحرية الدينية ونقد النص الديني، ومهاجمة ما يوصف بالظلام والجهل والخرافة، والخلاص من التبعية للآخرين، واتخاذ أي قرار من دون الحاجة لوصاية على عقل الإنسان. فالتنوير الديني لا يمكن أن يطبق في العالم الإسلامي الذي يغرق في ثقافة الحفظ والنقل والتلقين والطبقية الدينية، وقد يخالف مسلمات دينية تمس جوهر الهوية الإسلامية، ولكن علينا أن نبدأ بنشر ثقافة التنوير الذي لا يتعدى على ثوابت القرآن الكريم وما وافقه ولا يخرج على أطره العامة من السنة النبوية، والبدء بمراجعات منهجية وشاملة على المستوى الأعلى ومستوى المؤسسات والنخب الدينية والفكرية نزولاً إلى القاع، والتناول الشعبي للطرح بالتدرج وبعيداً عن الروتين، وتكليف أصل الإشكالية ليقود جهود التنوير وجعله من يضع الحلول مع عقول لا تختلف عنه ومبرمجة على الموافقة والإقرار وسرعة الإنجاز والبهرجة الإعلامية واختزال المصلحة العامة في الرضا الشخصي. فلا بد من صحوة تعزز قيمة التحولات الخاصة بالوعي الإنساني وتمكين كل إنسان من اكتشاف محركات الوعي الخاصة به، ومعرفة مكامن السكينة التي تناولها القرآن الكريم بالتفصيل، وصولاً إلى حالة سلام ووحدة مع البيئة المحيطة بالإنسان، واهتمام القيادات السياسية والسياسات العامة في الدول بالتطور الروحي وتشجيع ودعم مسار التنوير الروحي. فالتنوير الروحي عموماً، هو بوابة التنوير الديني الإيجابي والمقنن الأشمل، والذي يرمز لمفهوم باطني، أي أنه يحتوي على أمل وحلم للوصول إلى وضوح روحي يكمن وراء الوصف اللفظي والوجود المادي واكتساب الوعي بالطبيعة الوهمية للواقع، وتبني مبادئ روحانيه ربانية يصدقها عمل المخلوق وصدقه مع خالقه، وهذا لا يحتاج وساطة إذا ما علمنا أن طاقة وهالة الإيجابية في الكون وبمشيئة الله تتجاوز حياتنا الفردية والوجود الفردي، وهي متوفرة لنا متى ما قررنا أن تكون المعرفة الروحية والحكمة والسلام الداخلي طرق مباشرة إلى الله، ولهذا أقول إن الإسلام لا يحتاج إلى إصلاح بقدر ما يحتاجه المسلمون أنفسهم.