شكّل الرئيس دونالد ترامب هذا الأسبوع «مكتب البيت الأبيض للابتكار الأميركي» بهدف كانت الحكومات السابقة تسعى لتحقيقه منذ عقود، ويتمثل في إصلاح الحكومة من خلال عصف الأفكار المستمد من عالم رجال الأعمال. ونظراً للتحول القائم على التكنولوجيا في الاقتصاد خلال العقد الماضي، توجد حالياً فجوة كبيرة بين تقاليد الأعمال العامة والخاصة، وفرصة كبيرة أيضاً للحكومة لتعزيز الكفاءة. بيد أن التاريخ يقدم بعض الدروس الهامة لأولئك الذين يتطلعون إلى تحسين الكفاءة الإدارية الأساسية للحكومة. وعلى أي حال، فإن ترامب ليس هو أول رئيس يحاول معالجة هذه المشكلة. فعلى مدى السنوات الستين الماضية، قامت عدة إدارات بتجربة نهج مختلفة لجعل الحكومة أكثر كفاءة: بدءاً من لجنة «هوفر» التي شكلها «هاري ترومان» في أربعينيات القرن الماضي إلى لجنة «جريس» في عهد الرئيس رونالد ريجان، ومن إعادة اختراع الحكومة في عام 1990 إلى محاولة باراك أوباما «رقمنة» الإدارة من خلال الخدمة الرقمية الأميركية ووكالة الخدمات الرقمية (18 إف). وقد لقيت هذه الجهود السابقة نجاحات متفاوتة. والانتباه إلى دروس التاريخ من الممكن أن يساعد «مكتب البيت الأبيض للابتكار الأميركي» على تحقيق أهدافه الطموحة. ومن بين هذه الدروس: أولًا: فهم الفرق بين الحكومة والأعمال: يساعد منظور الأعمال على رؤية ما يمكن تحقيقه، غير أن هناك عوامل فريدة تجعل إحداث تغيير سريع أمراً صعباً في الحكومة. ويضمن نظام الضوابط والموازين لدينا أن المشروعات الكبيرة تتطلب حزمة من «التصريحات». وعقب تدشين الموقع الإلكتروني الخاص بقانون الرعاية الصحية، أشار أوباما إلى العمليات الإدارية القديمة، قائلاً: «إن الطريقة التي نشتري بها التكنولوجيا في الحكومة الفيدرالية طريقة صعبة ومعقدة وعفا عليها الزمن». ومثل هذه القواعد غالباً ما تعزز القيم الديمقراطية المهمة، ولكنها مكلفة. ولذا فإن نشر الرؤى التجارية بنجاح يتطلب درجة من «الاستخدام المزدوج للغة» -أي القدرة على ترجمة ممارسات الأعمال إلى حكم. ثانياً: إشراك الموظفين المدنيين في الممارسة: لقد أمضى 161 من كبار رجال الأعمال في لجنة «جريس»، التي شكلها رونالد ريجان عام 1982، عامين في دراسة الحكومة الفيدرالية. ولكن توصيات المجموعة التي بلغ عددها 2500 فشلت في إحداث الإصلاحات والوفورات التي توقعها ريجان. والسؤال: ما السبب؟ من دون مشاركة موظفي الخدمة المدنية في المهنة، كانت اللجنة تفتقر إلى رؤية العالم ببواطن الأمور بشأن الإصلاحات القابلة للتطبيق في الواقع. وبدون موافقة كبار الموظفين المدنيين، كان ينقص اللجنة المساهمون الملتزمون بتنفيذ التوصيات على أرض الواقع. ثالثاً: وضع خطة علاقات عامة لتشكيل الفكرة وتحريك الدعم العام: ربما كان الأكثر نجاحاً في عمليات إعادة التنظيم الفيدرالي، تلك التي قامت بها لجنة «هوفر» في عهد هاري ترومان وقد قامت بأكبر عملية إعادة تنظيم للحكومة الفيدرالية في العقود الماضية. فقد شملت تطويراتها جزءاً كبيراً من الهيكل الفيدرالي الموجود اليوم، بما في ذلك نظام مجلس الوزراء ووزارة الدفاع وإدارة الخدمات العامة. كما تحول المئات من مقترحاتها إلى قوانين، وحققت مدخرات بلغت 7 مليارات دولار، ما كان يعد مبلغاً كبيراً في ذلك الوقت. وكان من بين عوامل نجاح لجنة «هوفر» الجهود الهائلة المبذولة في مجال العلاقات العامة لكسب تأييد الجمهور. وقد تمكنت ذراع العلاقات العامة بالمبادرة، والمعروف باسم «لجنة المواطنين في تقرير هوفر» من جمع 25 مليون عضو. واستخدمت اللجنة المخاوف العامة بشأن الحكومة الكبيرة وخطر الشيوعية لكسب التأييد الشعبي، ونشرت الشعور بأنه إذا نجحت الدولة في إعادة تنظيم نفسها، فستتمكن من مواجهة أي تحدٍّ يواجهها. رابعاً: تغيير الوضع الافتراضي للبرامج الحكومية: في القطاع الخاص، يتم التخلص من الممارسات التي عفا عليها الزمن، لتفسح المجال للنهج الجديدة. أما في الحكومة، فإن البرامج الجديدة تتكدس فوق بعضها بعضاً. وفي كل مرة تحتاج فيها الحكومة إلى شيء جديد تقوم بإنشاء وكالة جديدة، ولا يتم التخلص سوى من القليل من الهياكل السابقة. وهذا يؤدي إلى وجود خليط من المؤسسات المتداخلة، بعضها تتولى مهام مكررة أو قديمة. وهناك طريقة واحدة لتغيير هذا الوضع هي التخلص من هذه الوكالات بدلاً من الاحتفاظ بها. خامساً: إتمام المبادرة بشكل صحيح حتى النهاية: إن التحديات التي نواجهها اليوم كبيرة، ولكن الأكثر أهمية هو قدرة حكومتنا على تنفيذ أي استراتيجيه تختار انتهاجها بنجاح. ومن هذا المنطلق، اختار ترامب وجهة تحتاج بشدة إلى تطوير. ألا وهي الحكومة الفيدرالية التي تعمل إلى حد كبير باستخدام هياكل مصممة لحقبة منتصف القرن العشرين، بدءاً من الموارد البشرية إلى المشتريات إلى تكنولوجيا المعلومات. ولذا يجب ألا تظل حكومتنا حبيسة الماضي، ولكن من الممكن إحداث تغيير حقيقي من خلال استخلاص دروس الماضي وتشكيل حكومة بمعايير المستقبل. ويليام دي إيجرز وجون أوليري محللان سياسيان أميركيان ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»