ربما لا تنطوي الانتخابات التي نظمت مؤخراً في مقاطعة «سارلاند» الألمانية المجاورة للحدود مع فرنسا واللوكسمبورغ، على أهمية كبرى لولا أنها قدمت الدليل القاطع على أن استطلاعات الرأي بالغت في تقدير الحجم الحقيقي للتحديات الانتخابية التي ستواجهها أنجيلا ميركل هذا العام. وتوحي نتيجة تلك الانتخابات بأن الانتصار على ميركل هو أمر صعب المنال بأكثر مما يظن كثيرون. وقد أثار الأداء الجيد الذي سجله رئيس البرلمان الأوروبي السابق والرئيس الحالي لـ«الحزب الديمقراطي الاجتماعي» SDP مارتن شولتز في الانتخابات التي جرت هناك، دهشة خبراء السياسة الألمان. وخلال فترة لا تتعدى الأسابيع القليلة، أصبح هذا الحزب الذي كان يحتل الصف الثاني بعد حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» CDU الحاكم الذي تقوده المستشارة أنجيلا ميركل منذ عدة سنوات، منافساً حقيقياً لها داخل الائتلاف الحكومي. وتفوق عليها أيضاً في بعض استطلاعات الرأي إلى الدرجة التي استأثرت بالعناوين البارزة للصحف وأطلقت نقاشاً حول ما أصبح يعرف باسم «تأثير شولتز». يُذكر أيضاً أن «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» أظهر ولاءً عظيماً لشولتز بعد أن منحه الأعضاء نسبة 100 في المئة من الأصوات في انتخابات اختيار رئيس الحزب التي نظمت على هامش المؤتمر العام الذي عقده. وكانت مقاطعة «سارلاند» محكومة بتحالف حزبي شبيه بذلك الذي تتألف منه الحكومة الفيدرالية. ويشكل حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الشريك الأكبر في الحكومة المحلية، فيما يمثل «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» الحزب الثاني في الأهمية. وتشتهر رئيسة وزراء الإقليم «أنيجريت كارينبوير» التي سجلت لحزب ميركل انتصاراً عريضاً في الإقليم مؤخراً، بلقب «ميركل السار» بسبب علاقتها القوية بالمستشارة الألمانية، وهي تشاركها توجهاتها السياسية ذاتها، وغالباً ما توصف بأنها خليفتها المحتملة. وقد أدى هذا الائتلاف عملاً جيداً في تلك المقاطعة. يُذكر أن «سارلاند» هي منطقة تشتهر بإنتاجها من مناجم الفحم. وهي صناعة تشهد حالة من الركود في العالم كله، إلا أن «سارلاند» تعدّ استثناء من هذه القاعدة. وكانت استطلاعات رأي إقليمية نظمت هذا الشهر قد أظهرت أن حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» يتقدم في «سارلاند» بما بين نقطة واحدة وخمس نقاط مئوية، وهو وضع انتخابي غير مريح بالنسبة للحزب الحاكم، ويمثل مفاجأة سارة لـ«أنكه ريهلينجير»، رئيسة الفرع المحلي للحزب الديمقراطي الاجتماعي، التي شاركت في الانتخابات بقوة لدعم التوجهات القومية الشعبوية لشولتز. وجاء يوم الأحد الانتخابي ليغير كل هذه المعطيات. فقد أثبت قوة أداء «الحزب اليساري الألماني» المتشدد Die Linke الذي احتل المرتبة الثالثة بنسبة 12.9 في المئة من الأصوات فيما فاز حزب أقصى اليمين «البديل من أجل ألمانيا» بنسبة 6 في المئة من الأصوات. إلا أن «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي» فاز بنسبة 40.7 في المئة من الأصوات أو أكثر بنحو 5 نقاط مئوية عن أدائه في عام 2012 بالمقارنة مع نسبة 29.6 في المئة للحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي سجل تراجعاً بنقطة مئوية واحدة عن أدائه في عام 2012. ويبدو أن الناخبين الألمان أصبحوا يقيّمون الأمور على النحو الصحيح أسوة بجيرانهم الهولنديين الذين جددوا ثقتهم برئيس وزرائهم البراغماتي «مارك روته» على رغم قوة التحدي الشعبوي الذي واجهه، وأكدوا بذلك على تمسكهم بالحوكمة الصلبة وتشجيعهم لعامل الاستقرار في الأداء السياسي. ولو منح ناخبو إقليم «سارلاند» الفوز للحزب الديمقراطي الاجتماعي، لكان ذلك سيؤدي حتماً إلى قيام تحالف بينه وبين حزب «اليسار الألماني» Die Linke وهو سليل الحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية السابقة. ويتمتع «حزب اليسار» بقوة تقليدية في «سارلاند» لأن واحداً من أبرز قادته ويدعى «أوسكار لافونتين» ينحدر من تلك المنطقة. وقالت «ريهلينجير» خلال الحملة الانتخابية إنها منفتحة على مثل هذا التحالف فيما حذرت «كورينبوير» الناخبين منه. وتشير معظم التوقعات إلى أن هذا الاحتمال ضعيف. وعلى رغم أن «حزب اليسار الألماني» لا يزال مفيداً من النواحي الديمقراطية، فإن الغالبية العظمى من سكان مقاطعات ألمانيا الغربية لا يرغبون في مشاركته في السلطة على الإطلاق. ويبدو بوضوح من خلال استطلاعات الرأي والنتائج الانتخابية التمهيدية أن الناخبين الألمان يرفضون رفضاً قاطعاً أي مشاركة للراديكاليين المتطرفين في الحكومة. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»