أصبح موضوع تزايد أعداد العمالة الوافدة في دول الخليج العربية من قضايا الساعة التي تثيرها الصحافة والسياسة في الكويت وبقية دول الخليج العربية الأخرى. وفي لقاء صحفي مع النائبة «صفاء الهاشم»، عضو مجلس الأمّة الكويتي، نشرته صحيفة «القبس» يوم الخميس 30 مارس المنصرم، طالبت النائبة بضرورة فرض ضرائب الطرق على الوافدين، وتحميلهم كلفة العلاج في المستشفيات، وضرورة التحرك العاجل لتعديل التركيبة السكانية، وأكدت أهمية تأهيل المواطنين لتسلم الوظائف الفنية «أصحاب الياقات الزرقاء»، والسبَّاكين وغير ذلك من المهن الأخرى. والسؤال هو: لماذا ترتفع الآن النبرة ضد الوافدين والعمالة الأجنبية في الكويت؟ الإجابة واضحة، وهي تأثُّر الأوضاع الاقتصادية بعد انخفاض أسعار النفط، حيث تقلصت الميزانيات العامة للعديد من الدول الخليجية وأصبحت الوظائف الحكومية قليلة وشحيحة. الخطورة في الموضوع أن أعداد الوافدين من كل الجنسيات في تزايد مستمر في دول الخليج، حتى أصبح المواطنون أقلية سكانية في بلدانهم، والأخطر من ذلك أن نسبة المواطنين في سوق العمل قد وصلت في بعض دول الخليج إلى 10% من العمالة. والمفارقة هي أن معظم المواطنين في دول الخليج العربية يعملون في القطاع الحكومي، وهو قطاع خدمي وغير منتج في الغالب، بل هو مكلف بسبب ارتفاع الرواتب فيه. هل يمكن تغيير التركيبة السكانية، كما يتمنى بعض الساسة الباحثين عن الأصوات الانتخابية؟ بالتأكيد لا يمكن التخلص من العمالة الهامشية، لكن يستحيل الاستغناء عن العمالة الفنية والميكانيكية، والعمالة ذات الكفاءة العلمية العالية، مثل الأطباء والمهندسين والقضاة والأساتذة الجامعيين ومبرمجي الكمبيوتر.. إلخ. والسبب معروف وواضح، ألا وهو قلة عدد السكان، وعدم دخول المرأة سوق العمل بأعداد كبيرة، وعزوف الشباب الخليجي عن الأعمال الفنية واليدوية.. وأهم من كل ذلك تواضع مستوى التعليم، حيث عجزت معظم دول الخليج عن تزويد سوق العمل بالكفاءات العلمية والفنية المطلوبة. طلبتنا المتفوقون والمتميزون يفضلون العمل في القطاع الخاص بدلاً من الحكومي، وهناك طلب متزايد عليهم في القطاع الخاص، لأنهم مؤهلون أكاديمياً. لا أحد ينكر أن دور المواطن مهم جداً ويجب أن يتحمل مسؤولية في تنمية بلده والأفضلية له في التوظيف في كل القطاعات. لكن يبقى السؤال: هل لدينا مواطنون خليجيون مؤهلون لملء كل الوظائف؟ لقد مضت سنوات عدة على سياسات الإحلال في الخليج، حيث يحل المواطن الخليجي مكان الأجنبي الوافد.. لكن المحاولات ليست كلها ناجحة. دول الخليج طوال خمسين عاماً الماضية أغدقت على مواطنيها في ظل الدولة الريعية.. ما أوجد عنصراً بشرياً اتكالياً وغير مبدع يعتمد على الحكومة في كل شيء تقريباً. الحلول الشعبية المبسطة التي يطرحها السياسيون، لكسب التأييد الشعبي، لا تستند إلى دراسة للواقع، لأنهم لم يقدروا تأثير ذلك على اقتصادات بلدانهم. فقطاع العقارات من أهم قطاعات الاقتصاد الوطني في الدول الخليجية.. ماذا سيحدث في هذا القطاع حال إبعاد 40% من الوافدين؟ من سيسكن العمارات المرهونة للبنوك؟ وإذا عجز أصحاب العمارات عن التسديد ماذا سيحصل؟ وهل يمكن الاستغناء عن خدم المنازل في الخليج؟ وهل نستطيع ملء الشواغر إذا ترك الأطباء والمهندسون والقضاة ودكاترة الجامعات؟ حتى نؤهل المواطنين الخليجيين، دعونا نهتم بضيوفنا في الخليج فهم عماد الاقتصاد في بلداننا.