يبرع الذهن الشعبي العربي في تكريس صور نمطية مغلوطة يجري تداولها فيما بين الأقاليم العربية في المشرق والمغرب، بحيث تترسخ لدى المتلقي مواصفات وهمية عن كل إقليم أو بلد، في ظل استسلام العقول لحالة من الكسل الذي يحجب الفهم ويحد من المراجعة والتدقيق الواقعي للكثير من التوصيفات الجاهزة والظالمة للجهات والمجتمعات. وما زاد الطين بلة، أن هذه التوصيفات الشعوبية المريضة بالجهوية، وجدت في وسائل التواصل الاجتماعي فرصة للتمدد واستحضار مفرداتها في مناسبات مختلفة. كما حدث مؤخراً من بعض المغردين العرب تجاه الخليج. فرغم أن الشبكات الاجتماعية على الإنترنت حديثة الظهور، ويفترض أنها تعبير عن انفتاح العالم وتقاربه وتواصله أكثر من ذي قبل، إلا أن المحتوى العربي في هذه الشبكات يضخ يومياً العديد من الأفكار التي تندرج بعضها ضمن التطرف والتعصب الديني أو الجهوي، إلى درجة التشكيك في حضارة وثقافة وكينونة مجتمعات عربية أخرى. في سلوك عصبوي مريض بالجهل والحقد غير المبرر وعدم الاطلاع، خاصة عندما تصدر التوصيفات المتعصبة والمشككة عن لسان عربي ضد جزء آخر أصيل وحيوي من الجغرافيا العربية التي ينتمي إليها صاحب خطاب التعصب! من بين الصور النمطية المغلوطة المتداولة، تلك التي يتم تكرارها عن منطقة الخليج العربي، إذ يجري تحنيط شعوب وجغرافيا الخليج بأكمله في قالب لفظي يستدعي كل ما له صلة بعشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وما قبلها، مثل الحديث عن رعي الإبل وركوب الجمال وغيره مما يتصل بنمط حياة البداوة في صحارى وواحات الجزيرة العربية. وبالطبع لا تحضر مثل هذه المناكفات البدائية إلا في مناسبات ومواقف تستدعي ردود أفعال من هذا النوع البائس. فهل هذه هي نظرة العرب للخليج بالفعل؟ وما العيب في ارتباط ماضي الخليج بالجمال؟ فبالنسبة لنا لا نجد في اعتماد عرب شمال أفريقيا قديماً على الخيول والجمال أمراً معيباً. أما من ناحية الماضي الحضاري، فيكشف الواقع أن أبسط مثقف عربي أو حتى مستشرق مبتدئ يعرف جيداً أن منطقة الخليج الواقعة في قلب الجزيرة العربية، تمثل قديماً بيئة حضارية عريقة أنتجت الشعر والحكمة ونهضت بفنون الأدب والتراث العربي في عصر ما قبل الإسلام وما بعده. وفي الزمن الحاضر لا يمكن القبول بوضع دول ومجتمعات الخليج إلا في خانة الحداثة والتطور الشامل. لكن الصور التي يلوكها البعض عن منطقة الخليج بشكل سطحي، تتعمد اجترار توصيفات مستهلكة. وعلى مستوى العامة، يبقى الاندفاع غير الواعي للسخرية من الإبل والجمال، رغم أن هذه الجزئية تبعث على الفخر بالموروث. أما النخبة العربية فهناك من يحلو له الاستمرار بشكل مضحك في اجترار توصيف ينتمي لحقبة السبعينيات، عندما يكرر بلكنة الغمز واللمز استخدام مفردة البترودولار، كناية على نمط الاقتصاد الريعي الذي ساد في دول الخليج خلال تلك الحقبة. ويمكن الرد على الغارقين في تكرار هذه المفردة الأثرية بأن التنمية في الخليج قطعت أشواطاً لا يستهان بها على طريق الاستدامة وتنويع مصادر الدخل القومي. وننصحهم بالاطلاع على تقارير المؤسسات الدولية المعنية برصد ترتيب الدول في خانات متقدمة في مؤشرات عدة، والتي تحتل فيها دولة الإمارات العربية المتحدة مراتب متقدمة كل عام، ومؤخراً تم تصنيفها ضمن أقوى 10 دول في العالم في تقرير مؤسسة «يو إس نيوز آند ورلد ريبورت» لعام 2017 الخاص بترتيب أقوى دول العالم في المجالات كافة، وكانت القوة السياسية والاقتصادية ومتانة التحالفات الدولية والتاريخ الثقافي والمواطنة وجودة الحياة من المعايير الأساسية لهذا التصنيف. لدينا في الإمارات رؤية تعتمد على منهج الإنجاز مقابل التقليل من الكلام وعدم الالتفات نحو من يضيعون الوقت في الجدل العقيم الذي لا يثمر شيئاً. ومثل هذه الفقاعات الكلامية تظهر ثم تختفي ويطويها النسيان وتبقى الحقائق التي نلمسها على الأرض. وكل من يتطاولون على الخليج ويبخسون حضارة شعوبه في الماضي وإنجازاتها في الحاضر، ينطبق عليهم قول العرب: «الإنسان عدو ما يجهل». ويجب أن نعذر من يكتبون تغريدات على الإنترنت عن دول الخليج ويعتقدون أن سكانها لا يزالون يركبون الجمال، بينما لا يعرفون الخليج ولم تطأ أقدامهم حتى الآن شارعاً من شوارع مدنه التي تزهو بالعمران الحديث، والأمان والسلام والازدهار.