تعد مقولة العالم العربي حديثة نسبياً، حيث ترسخت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لكي يتم تحديد المنطقة الجغرافية التي تقع فيها جميع الدول العربية من موريتانيا غرباً إلى جزر القمر الواقعة في منتصف المحيط الهندي شرقاً، وهو امتداد جغرافي واسع يضم 22 دولة، لقد جاءت هذه التسمية ضمن إطار الانشقاقات والكتل التي كانت تمزق النظام العالمي الذي برز منذ عام 1945، وظهور ما سمي بعد ذلك بالحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي بقيادة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. الحرب الباردة فصلت المعسكرين، وكان للعالم العربي نصيبه من ذلك الفصل، حيث انحازت بعض الدول العربية إلى المعسكر الرأسمالي وإنحاز بعضها الآخر إلى المعسكر الاشتراكي. وأدت الانشقاقات الاقتصادية إلى تقسيم العالم إلى شمال وجنوب، حيث تتبع الدول الصناعية الكبرى جميعها تقريباً في الشمال وتتبع معظم الدول الغير صناعية أو النامية في الجنوب، ومنها دول العالم العربي. وبحكم موقعها في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية سعت دول العالم العربي إلى الاستقلال الاقتصادي عن الدول الأكثر تقدماً صناعياً في غرب أوروبا وشرقها ودول أميركا الشمالية. ولسوء الحظ، أو لسوء التخطيط أو بسبب الفساد الإداري والمالي والسياسي، هذا بالإضافة إلى القصور الشديد أو التخلف و ضعف التعليم العام أو بالتحديد في مجالات التعليم الفني والتقني والإلمام بأسباب التقدم التكنولوجي الحديث فشلت معظم الدول العربية في مساعيها الهادفة إلى تحقيق نجاحات وأوضاع اقتصادية متقدمة لنفسها بعيداً عن الارتباط الوثيق بالخارج أو بتحقيق التنمية في إطار الابتعاد عن الاعتماد وعلى إنتاج الموارد الأولية وتصديرها إلى الخارج أو الاعتماد على مصدر وحيد للدخل كإنتاج النفط والغاز أو إنتاج الموارد المعدنية من أجل التصدير. لقد تمكن القليل منها فقط من تحقيق معدلات متوسطة من النمو الصناعي لكن يبقى أن هذه التطلعات تشكل هاجساً وطموحاً لدى معظم حكوماتها. وبغض النظر عن الاختلافات الكبيرة بين الدول العربية من حيث تحقيق التنمية الدائمة المستدامة، إلا أن مسمى العالم العربي يوفر مصطلحاً مفيداً للتعميم حول ما يحدث من حراك وتغيرات اجتماعية وسياسية في دولة كل على حدة. ولكي يتم شرح تلك التغيرات يستخدم علماء السياسة نماذج من شأنها التركيز على جوانب مفصلية من النظم السياسية للدول المراد دراستها. وعبر تلك النماذج يمكن للباحث فهم المعتقدات السياسية وأداء البنى السياسية وسلوك القيادات السياسية وإدارة عمليات السياسة العامة. ولكي لا تلتبس الأمور، حين يتم النظر في موضوع ما، إما بتأييده المفرط أو بانتقاده المفرط، لابد من السعي إلى شرح كيف أن محتويات النظام السياسي القائم في الدولة المعنية يتأثر الواحد فيها بالآخر، وتؤثر جميعها على النظام، وعلى درجة التغير الاجتماعي والسياسي التي تنتج عن تلك التفاعلات. ويعد الولوج المفاجئ لدول العالم العربي في المسارات الرئيسية لسياسات العالم الحديث واحداً من أكثر التداعيات بعيدة المدى لانتهاء الحرب الباردة. وفي هذه المرحلة يبدو أن سرعة مسار التاريخ تجاوزت تراكم المعرفة لدى العديد من الدول العربية. ففي الوقت الذي اتضحت فيه المشكلات الجديدة والملحة لدول العالم العربي، وزادت محاولاتها لجلب اهتمام أنظار دول العالم إليها، تكشفت توجهات جديدة في علم السياسة لم يُستفد منها بعد في دراسات العالم العربي. ويعود السبب في ذلك إلى أن أفكار ما بعد انتهاء الحرب الباردة في أوساط النخب السياسية في الدول العربية ونظرائهم في الدول المتقدمة حول الإدارة الحكومية والدعم الاقتصادي والفساد المالي والإداري تركت آثارها على الأدبيات التي كتبت حول هذه القضايا، وأصبح التصنيف الإثنوغرافي للشعوب والدول العربية الفقيرة دسماً من حيث المادة التي يحتويها. والواضح أنه على خلاف ذلك، نلحظ تواجداً قليلاً جداً من الطروحات والأفكار التي تناقش صميم المشكلات الحقيقية للدول العربية كالحراك والتغير الاجتماعي أو توقع اندلاع الثورات حتى في أكثرها هدوءاً، والتي نفدت تماماً من قاموس أحداث العالم العربي، لكنها اندلعت في العديد منها ولازالت حتى الآن تأكل الأخضر واليابس، وما خفي أو ما هو قادم منها قد يكون أدهى وأمر. *كاتب إماراتي