دعونا أولاً نطرح السؤال: ما هي الأزمة الأكثر أهمية في عالم اليوم؟ هل هي تغريدات الرئيس ترامب بشأن تنصت أوباما عليه؟ أم حرب ترامب على وسائل الإعلام؟ أم المجاعة التي تهدد 20 مليون شخص في أربع دول من العالم؟ السؤال يجيب على نفسه، أليس كذلك؟ لقد حذر «ستيفن أوبراين»، مساعد أمين عام الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، قائلاً: «إننا نواجه أكبر أزمة إنسانية منذ إنشاء الأمم المتحدة». وأضاف: «من دون جهود جماعية ومنظمة، فإن الناس ببساطة سيموتون جوعاً». فكيف يستجيب ترامب لهذه الأزمة؟ من خلال خفض المساعدات الإنسانية، وزيادة خطر المجاعة في اليمن وجنوب السودان والصومال ونيجريا، بينما تتخلى أميركا عن القيادة وتخفِّض المساعدات. وقد ذكر لي «ديفيد ميليباند»، رئيس لجنة الإنقاذ الدولية، أن «هذا هو أسوأ وقت لإجراء تخفيضات». وقال إن «الخطر العظيم» يكمن في تأثير الدومينو، ذلك أن هذا الإجراء الأميركي يشجع الدول الأخرى على التراجع هي أيضاً عن تقديم المساعدات. وجوهر موازنة ترامب الصادرة قبل أيام قليلة هو قطع المساعدات عن المحتاجين، سواء في الوطن أم خارجه، واستخدام هذه الوفورات لبناء جيش وإنشاء جدار على الحدود مع المكسيك. ومن المهم الإشارة إلى أن «كل هذه الأزمات هي بالأساس من صنع الإنسان، وأنها نتيجة للنزاعات»، كما ذكر «نيل كيني- جوير»، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «ميرسي كوربس». والولايات المتحدة تتحمل بعض المسؤولية. والكارثة التي تحدث في اليمن، الدولة التي بها أكبر عدد من الأشخاص المعرضين لخطر المجاعة، جعلت ثلثي السكان بحاجة للمساعدة. ولا تحظى المعاناة هناك باهتمام عالمي يذكر، ويعود هذا جزئياً إلى منع المراسلين، وأنا واحد منهم، من الوصول إلى المناطق المتضررة. وبالمثل، فإن حكومة جنوب السودان رفضت منحي تأشيرة دخول هذا الشهر، لأنها لا تريد شهوداً على المجاعة التي تجتاح البلاد. وفي الولايات المتحدة، كانت المساعدات الإنسانية تقليداً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والبطل بين الرؤساء الذين شهدتهم الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة كان جورج دبليو بوش، الذي بدأ برامج لمكافحة الإيدز والملاريا، ما ساعد على إنقاذ ملايين الأرواح. وأدرك بوش وغيره من الرؤساء أن أسباب تقديم المساعدة لا ترجع فقط إلى قيمنا، بل أيضاً مصالحنا. فكروا ما هو التهديد الأمني الأكبر الذي واجهته أميركا في العقد الأخير. سأقول إنه الإيبولا، وقد تغلبنا عليها ليس بحاملات الطائرات، ولكن بالمساعدات الإنسانية والأبحاث الطبية، وكلاهما تم خفضه في موازنة ترامب. إن رؤية ترامب للتهديد تتمثل في غواصة صينية أو ربما مهاجر غير شرعي، وهذه هي الرؤية التي تعكسها موازنته. لكن في عام 2017، يأتي بعض أخطر التهديدات التي نواجهها من الأمراض أو المخدرات التي لا يمكن أن تدمرها دبابة، لكن يمكن علاجها عن طريق الدبلوماسية، والبحث العلمي والمشاكل الاجتماعية داخل وخارج حدودنا. صحيح أن المساعدات الخارجية الأميركية يمكن توصيلها بطريقة أكثر منطقية. ومن السخيف أن يكون أكبر مستفيد من المساعدات هو دولة مزدهرة مثل إسرائيل، بينما تنص موازنة ترامب على خفض المساعدة للدول الأخرى. وتساهم الولايات المتحدة بأقل من الخمس من 1% من دخلنا القومي في المساعدات الخارجية، أي نحو نصف النسبة التي تساهم بها الدول المانحة الأخرى. إن المساعدات الإنسانية واحدة من أعظم قصص النجاح في العالم، لأن عدد مَن يعيشون في فقر مدقع قلّ بنحو النصف منذ عام 1990، علاوةً على إنقاذ أرواح أكثر من 120 مليون طفل خلال هذه الفترة. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»