مرحلة حاسمة يمر بها الاتحاد الأوروبي هذه الأيام؛ نقاش ساخن حول مستقبله بدأ في قمة بروكسل يومي الخميس والجمعة الماضيين، وسيستمر في قمة روما المتوقع عقدها الأسبوع القادم بمناسبة مرور 60 عاماً على المعاهدة التي وضعت أساس هذا الاتحاد. في مثل هذه الأيام قبل ستة عقود، كانت الآمال عريضة لدى الدول التي اجتمعت في روما، ووقعت معاهدة لتأسيس المجموعة الاقتصادية الأوروبية الأولى CEE التى استهدفت تأسيس سوق مشتركة، ثم تحولت بعد ذلك إلى الاتحاد الأوروبي بموجب معاهدة ماستريخت عام 1992. ست دول فقط (إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبرج) بدأت تجربة تكامل صارت ملهمة لكثير من الدول، وباتت تضم الآن 27 دولة (بعد انسحاب بريطانيا). ظلت هذه التجربة على مدى عقود نموذجاً سعت منظمات إقليمية عدة إلى الاحتذاء به، لكنها تتعرض الآن لأكبر اختبار في تاريخها. وليس انسحاب بريطانيا إلا عنصراً من عناصر هذا الاختبار الذي يدور النقاش الآن حول كيفية التعامل معه، انطلاقاً من تصور أعده رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، وصاغه في وثيقة موجزة تحمل عنوان «كتاب أبيض حول مستقبل أوروبا»، ويتضمن هذا التصور عدة سيناريوهات أهمها استمرار الاتحاد كما هو، والعودة إلى صيغة السوق المشتركة أي أن يكون مجرد تكتل تجاري، وإعادة صوغ رسالته وفق أهداف أقل طموحاً، واعتماد منهج تعدد السرعات بما يسمح لبعض الدول بالمضي بسرعة فائقة نحو تكامل أعمق. بدأ النقاش حول هذا التصور، والسيناريوهات المتضمنة به، في قمة بروكسل، وتركز في معظمه على سيناريو الاتحاد متعدد السرعات بسبب خلاف عميق بشأنه بين ألمانيا وفرنسا من ناحية، وبعض دول شرق أوروبا ووسطها من ناحية ثانية، والمفترض أن يحسم هذا الخلاف في قمة روما إذا أراد قادة الاتحاد تحقيق تفاهم مبدئي حول أحد السيناريوهات المطروحة سعياً إلى تجنب أزمات جديدة في ظل التهديد المترتب على صعود اتجاهات قومية متشددة تتبنى مواقف انعزالية قد تؤدي إلى تفككه. ويبدو وجود مثل هذا التفاهم ضرورياً قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية بصفة خاصة، لأن نتائج الانتخابات البرلمانية الهولندية التي تجري اليوم (15 مارس) لن تؤثر في سياسات لاهاي إذا فاز حزب الحرية القومي المتطرف. فالأرجح أن يبقى هذا الحزب في المعارضة حتى إذا حصل على أكثرية (قد تتراوح بين 20 و25%) لصعوبة قبول أحزاب أخرى الائتلاف في حكومة بقيادته. لذلك ستكون الانتخابات الفرنسية هي الاختبار الأكثر أهمية، فإذا فازت المرشحة القومية المتطرفة مارين لوبن سيكون بإمكانها الدعوة إلى استفتاء عام حول البقاء في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه إذا رغبت في ذلك. صحيح أن نتيجة هذا الاستفتاء لن تكون مشابهة بالضرورة لذلك الذي عرفته بريطانيا في 23 يونيو الماضي، وأحدث الزلزال الذي يقض مضاجع أنصار الاتحاد الأوروبي منذ ذلك اليوم، لكن تحليل التفاعلات السياسية والاجتماعية في القارة العجوز في الشهور الأخيرة يفيد بأن الأحزاب والتيارات القومية المتطرفة حصلت على دفعة جديدة بفعل نتيجة الانتخابات الأميركية، ويعني ذلك أن حالة الانعزال التي أخرجت بريطانيا يمكن أن تعبر مياه المانش الباردة، إذا انتهت قمة روما من دون تقديم رؤية مستقبلية توقف الفتور المتزايد لدى قطاع يُعتد به من الرأي العام تجاه الاتحاد الأوروبي. وما زال بإمكان قادة الاتحاد إنقاذه حالة اتفاقهم في قمتهم المقبلة على سيناريو واقعي يحمل تفاؤلاً، ويساعد في إقناع الأغلبية في دوله بأنه يظل ملاذاً لا بديل عنه في عالم يتحول على وقع صعود توجهات قومية حادة في أميركا (ترامب) وروسيا (بوتين)، وكذلك في صين «تشي جينبينج». ولكي يكون هذا السيناريو مقنعاً، ينبغي أن يتضمن حلولاً للمشاكل الآنية، وفي مقدمتها كيفية تحقيق تفاهم مع إدارة ترامب المصرة على أن ترفع دول «الناتو» إنفاقها العسكري لكي تستمر واشنطن في التزامها تجاه أمن أوروبا. وبإمكان قمة روما أن تحقق تقدماً في هذا الاتجاه إذا بدأت ببحث إمكانات تحقيق تكامل تسليحي ما زال ضعيفاً للغاية بين الدول الأوروبية، فمن شأن هذا التكامل إعادة توجيه الاستثمارات نحو عدد أقل من نظم التسليح، وبالتالي تقليل الإنفاق عليها وجعلها أكثر فاعلية في آن معاً.