عُقد في الدوحة الأسبوع الماضي المؤتمر الدولي حول مقاربات حقوق الإنسان في مواجهة حالات الصراع بالمنطقة العربية، والذي نظمته «اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان» القطرية، و«المفوضية السامية لحقوق الإنسان» بالأمم المتحدة، بالتعاون مع الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب، و«الشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان». وأكد الدكتور علي بن صميخ المري، رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في دولة قطر، «أن ما تمر به المنطقة العربية من صراعات مسلحة، يرجع في الأساس إلى غياب الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والحقوق المدنية والسياسية، وانتهاك الحريات، وتهميش العديد من الفئات في كثير من الدول والمجتمعات العربية». وحقيقة الأمر أن موضوع الحريات وحقوق الإنسان أصبح من أهم التحديات التي تواجه الدول الحديثة في العالم العربي، مما أوجد حالات من «الضبابية» في التعامل مع مصطلحي حقوق الإنسان والحريات العامة، وآليات تنفيذ تلك المفاهيم وفقاً للمبادئ الدولية في هذا الشأن، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.. حيث تصون هذه الوثائق كرامة الإنسان وتضمن حقوقه الأساسية، وتُلزم الدول الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة بتطبيق تلك المبادئ. لكن ما يحدث على الأرض شيء آخر، فالإنسان العربي قلّما يُمنح فرصة المشاركة في صياغة مستقبله ومستقبل أبنائه، إذ السلطة هي مَن يقرر ويفكر نيابةً عن الإنسان العربي في كل القضايا والمجالات، خلافاً لما تقتضيه أسس المشاركة. وفي ظل الدول السلطوية تكاد تختفي مبادئ حقوق المواطنة، وتكون السيادة المطلقة للحكومة؛ فهي التي تقوم بإنشاء المؤسسات، ومنها لجان حقوق الإنسان، والتي غالباً ما تساند الاتجاهات الرسمية وتعضد إجراءاتها، حتى ولو تعارضت مع المواثيق الدولية ذات العلاقة. وكما نرى في أغلب الدول العربية، فإنه حين تغيب مبادئ المواطنة والعدالة الاجتماعية، يكون الفقر والتخلف من نصيب السواد الأعظم من المواطنين، بينما يتسلط الأمن على مقادير الناس، ويتم وسمهم حسب تصنيفات الولاء، فهذا معنا وذاك ضدنا! ويقوم الإعلام بقمع أي رأي مخالف يطالب أو يحتج. ومن هنا تنشأ أقليات معارضة صامتة، تتحين الفرصة لرفع رأسها بالمطالبات عند وقوع أول أزمة أو تصدع في أركان البلد، وهذا ما شكّل الارتباكات الأولى للدولة العميقة في بلدان «الربيع العربي». إن اللجان الحقوقية الوطنية العربية تعيش أزمة كيان وهوية، فجُلها يعمل تحت وصاية السلطة الرسمية، أما اللجان الأهلية غير الحكومية فأغلبها «مُحارَبة» أو تحوم حولها الشبهات، نظراً لمجاهرتها بموضوع الحقوق المدنية، رغم ضعف إمكاناتها المادية، وعدم قدرتها على الصمود في وجه السلطة، وقيام هذه الأخيرة بمحاصرتها ومضايقة منتسبيها. لذلك تنشط اللجان الرسمية، التي لا تُقرن «شعاراتها السياسية» بالأعمال، وهي ترى حالات انتهاك لحقوق الإنسان وقمع لرأيه دون أن تحرِّك ساكناً. وفي وضع كهذا، تسيطر على الأقليات المُهمشة، سواء في الوظائف أو الحقوق أو التجارة أو فرص التعليم، حالاتٌ من الشعور بالغبن وعدم العدالة، ونجدها ترفض (بصمت) كل الدعاوى التي تروج لها أجهزة السلطوية لتعزيز أركانها والترويج لدولة العدالة والتقدم والتحديث، وهذا ما رأيناه عند بداية «الربيع العربي» الذي كشف ما كان رؤساء الجمهوريات يتمتعون به من نفوذ ومؤازرة من الجيش، وهم يخالفون الأعراف الديمقراطية وينهبون رغيف الشعب الفقير! والإشكالية هنا، هي غياب الوعي في أغلب الدول العربية، والخوف من القمع الذي تمارسه النظم السلطوية في بعض الدول العربية. إنها حريات وراء القضبان! ونحن نعتقد أن موضوع الحريات والرأي الآخر ينبغي تفعيله بقوانين واضحة مستمدة من المواثيق الدولية، وليست «مُفصّلة» حسب المقاسات والمساحات التي يضعها بيروقراطيون أمنيون. -------------------- *إعلامي وأكاديمي قطري